العودة   الحارة العمانية > حارة الثقافة والفكر

نصوص لهدى الجهوري

حارة الثقافة والفكر

رد
 
LinkBack أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #1  
قديم 07-09-08, 09:54 AM
الصورة الرمزية حمد الغيثي
راعي الحارة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
الدولة: المهجر
المشاركات: 4,886
افتراضي نصوص لهدى الجهوري

امرأة ترعى قطيع الحب خفية


هذا الملل يتسكع بقربها ،ويبث خدره في الروح كل شىء مسترخى وفاتر، والمسافة ملائمة تماما لفرح مؤجل .الحكايات تفر دائخة من قيظ يراهن على المسرات القليلة ،وعلى شرود يسرقها من أولئك الواقفين على سكك الانتظار . حواسها ذابلة لاتثمر شيئا سوى شوكا ،وانتظار أمام شرفة يتشابه العابرون عليها والزمن البطىء يطوي ساقيه في المغارات والصخور المخيفة، والرجل الذي ايقظ النهارات وهو يعلق عليها أيقونة البخت مايزال يخبأها بداخله ليدفأ ،وهي ماتزال تترك أفراحه منغصة وبعيدا عن ظل ينام فيه. ترعى قطيع خوفها من من رذاذ الخيبات حين يرفل في الرماد ....وتحك عينا للذاكرة .كانت تعيش لأجل ذاك القليل الذي يمر خافتا ، وحين التفت إليها مرتعشا بالولع انتعلت ساقي نعامة قبل أن تأكلها الألفة مع أشياء تزاحم رئة الأوطان والأحبة .ركضت طويلا لتترك آثارها ذاكرة في ثقوب الشوارع التي تخشى عليها داء النسيان ،وحين شعرت بالتعب أدرات رأسها صوب مقالب غبية تترك للأشياء نكهة باهتة.اخترعت الكثير من المزاح الخفيف مع الأصدقاء ،وثرثرت عن البرامج السخيفةالتي أدمنتها مؤخرا مع البشار والكولا والسمنة، أصغت إلى همهمات الصديقات وهن يرتجفن حين تعبر سيرة الحب في السهرات المملة....ياإلهي كم يتغير مزاج المساء....!! تدخل البهجة من كل الجهات وخفقات الخجل تتسارع ،علامات الاستفهام تعلو الوجنات الحمراء ...تأتي التمتمات مسترخية ،ودافقة ، ومصابة بالكثير من الفواصل والتنهيدات وحدها من كانت تمتلك صوتا مضيئا ،وعينين متسعتين لمزيد من الهذر كانت تقول بمرح:
احببن .....إنه أمر مشروع ...و لاتبخلن بأسماء الأحبة...تواريخ المواعيد الساخنة...ارتجاف الشفاه ...الملامسات ...لن تبخس التفاصيل من أشياؤكن الجميلة. تبتهج الصديقات، وتسرق هي الحكايات بكرا من شفاههن ،وهن يتساءلن : ترى من سيعبىء هذه المرأة التي لاتخشى الحب والأسماء والوشايات ....؟ ولكن هنالك وليس بالمسافة البعيدة تبكي في الظلمة وحيدة في حضن دمية أمنتها على سرها الكبير عن رجل أتى ليثير رجفة في تجاعيد صوتها الذي كثيرا ما ادعى الإطمئنان ،رجلا مرر الكثير من الود خلسة وهو يتلصص على شبابيكها المقفلة ،قذف لونا فاقعا خصب به الأماكن المقفرة والفزعةمن تشابه بارد ،وعقيم ،رمى عليها مصيدة الضوء لتصير زنبقة ترقص في الحقول المكشوفة للهواء .

تتساءل :
......متى سيتثاءب هذا القلب،وكلما أطلقت له الحكايات، أو غنت له أغنية استفاق مغريا على جلد الرغبات ؟...وحواف السرير متى ستفقد ضروسها المخيفة التي تتلف ذاك القليل من الاسترخاء الذي يزحف في مقلة النعاس...؟ والصيف الفارغ كاللص لماذا يمد يده في جيوب القلوب ليسرق رعشتها طازجة ،وهو يشرع مظلة باردة يستظل تحتها أولئك المتعبون من الحرارة والشوك والحب، مظلة تأويهم بفرح ماكر وهي تفتح فخا واخزا لتلك الأقدام التي لم تألف بعد أن يخاتل صمتها حكايات رطبة تعبر فوق الارتباك والجنون والموت ،حكايات تلعق المسافة الفاضحة بين حبيبين مازالا يتعثران بمسميات الأشياء... حبيبين نصحتهما العرافات ،وعابري السبيل أن يبترا المواعيد والورود الحمراء قبل أن تشحب المسافة بقطيعة واطئة تخلف يباسا وضمورا فادحا في الوله والأشواق .
تتساءل :
.......ماالذي يتزايدفي قلبها ،وكيف تداريه عن الأعين المسننة ...؟
كيف تصالحه على ذاك القليل المتاح كقشة تضىء بها الليالي الفقيرة من الغبطة والفرح ....؟ومن سيغذي جسدها الغض .....؟

ربما قليل من التسكع البرىء في براريه المسيجة بالعبث والمجنون سيبدو ملائما ...وربما اختراع عين ثالثة تختلس بها النظر إلى تفاصيله التي تخشى أن يرجمها العطب سيبدو حلا ثانويا ،ولكن الوقت الذي أفلتته في شباك الصيد فجرا كطعم لروحه لم يصطد شيئاسوى انتظار بارد لأشياء لاتأتي إلا لتصفع وجه الخسارات ،وبعضا من المساحيق والأقنعةالتي تغلف بهاالنتوءات الشاذة لتبدو الاتجاهات منسجمة ومتشابهة كالجرذان... والعين الثالثة التي أشرعتها من خلف نقاب الريبة لترقب لهفته المندلقةمن سقف المسافة اصيبت هي الأخرى بالهرش . وحده الخوف والحذر من تبقى لترعاه في حضائرها ...وحده الأرق من كان ينمل ساقي الحلم ...وحدها الذاكرة من كانت تسرف في الضحك سرا.....
__________________
الحارةُ أكبر
رد مع اقتباس
لماذا تشاهد هذه الإعلانات؟
  #2  
قديم 07-09-08, 09:56 AM
الصورة الرمزية حمد الغيثي
راعي الحارة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
الدولة: المهجر
المشاركات: 4,886
افتراضي

الحكاية الشحيحة ....هل تكفي اثنين




قليل من الصدق سيفتح عليها فوهة كارثة لذا كانت كثيرا ما تحاول أن تتخذ الحيطة والحذر لتروج نفسها على أنها كائن لطيف وبرئ كانت تعطل حواسها عن التفكير في وضعها الجديد معه (كونها امرأة تقف على الحافة وبلا ظل ) كما تحاول أن تفكر مليا في وضعها الجديد معهم أولئك الذين يفتشون أوراقها وعينيها وقناني عطرها ويندهشون من اعتنائها الباذخ بتلميع أحذيتها وارتداء الساعات الأنيقة والخواتم الكبير تلك التي تشير إلى فضيحة تركض بقدمين يأكلهم الفضول حول الوقت الذي تهدره أمام المرآة والنوم الذي يضيع منها لصالح ما تسجله من ملاحظات عن مواعيدها والرسائل التي تصلها خلسة .لكنها مؤخرا بدت امرأة مكشوفة تسير في الطرقات وهي تتلفت كي لا يلاحظ أحد أنها امرأة بلا ظل وتفكر كثيرا بابتكار الخدع التي تمسح بها ما يخلفه حبيبها من تفاصيل (عبد الحليم) يغني ( أنا لك على طول ..خليك ليا ) تتماهى معه لتصنع بيتا من ورد وشمع ، وتنفرج ابتسامتها لتزرع حمرة خجلة على خديها لكن إحدى صديقاتها تضحك:
_ أنت دقة قديمة ...
تنتبه إلى ضرورة أن لا تخبر أحدا عن ما نمى في صدرها من مسرات ولوز
_ يا إلهي ...سيقذفني الأصدقاء بحجر الوعظ والنصائح وسيثقلون كاهلي بالأسئلة والغمز ربما قليل من التواطؤ والكذب سيجعلني متوازنة معهم تسألها إحدى الصديقات :
_ إلى أين ؟
_ إلى طبيب الأسنان .
إنها تكذب من جديد ، ولكن هل ثمة علاقة صحية بين مواعيد الحب ومواعيد طبيب الأسنان ...؟ ربما بدا ذلك مناسبا لنزهتها مع حبيبها لأن أحدا لن يسألها عن الوقت الذي ستهدره خارج المنزل فالعيادات عادة ما تكون مزدحمة ، وربما أيضا لأن الجميع سيرفض مرافقتها بحجة أنهم يصابون بالغثيان من هذه الأمكنة المكتظة .الساعة تشير إلى السادسة ولنصف تماما لذا ولكي لا تبدو طارئة وهي تسير بلا ظل كانت تسلك طريقا معتما و تحشي جيبي المعطف الشتوي بيديها ، والدخان الكثيف يتطاير من فمها وكان (هو) هناك واقفا في انتظارها .(هو) الآخر وقف بلا ظل لكنه كان مزهوا بنفسه أمام المارة . جلسا متقابلين والكلام بينهما دائخ ، كانت تعبث بولاعته وهو منشغل عنها بإشعال سيجارة وإطفاء أخرى يأتي النادل :
_ ماذا تشربان
معا يطلبان القهوة ، يغادر (هو) الطاولة بحجة الذهاب إلى التواليت وتنشغل هي بمراقبة العابرين بالقرب من طاولتها و يأكلها الحسد لأن ظلالهم كانت تركض خلفهم ...يصل (هو ) في الوقت الذي يصل فيه النادل مع صينية القهوة تناول كل منهما فنجانه وبدأت (هي ) بارتشاف قهوتها و(هو ) يطفي صوته بنفس المنفضة التي كان يطفئ فيها سيجارته
تفكر:
_ إلى متى سأكذب ..أشعر بالتعب من كذبي ومن وجهي الذي لم أعد أعرف معالمه ...خطوة إلى الأمام ..خطوة إلى الخلف أنا أتأرجح بين طريقين ولا أتوازن لا رغبة لي في أن أنسحب باكرا من طقس الحب الذي علقته في وشوشة الصدف والفراش لا رغبة لي في أن أسكب فصول الحكاية في النسيان .
يدخن وهو يسألها بتعب :
_ ما مبرر حبك لي ..........؟
تفتح فمها بدهشة ، تدير مقلتيها في المكان ثم :
_ هكذا ...كأي شئ يحصل لا ندري تماما لم حصل وجدت نفسي أحبك ...
يعود بظهره إلى الوراء ، وكان بعد ما يزال محتفظا بسيجارته بين سبابته والوسطى :
_ حاولي أن تتوازني ....
كان يفتقر تماما للتوازن ورغم ذلك اعتقد أنها امرأة بحاجة إلى أن تتوازن ،والصديقات ورغم ما يشعرن به من غيره طلبن منها أن تتوازن ، وبائع الخضروات القريب من بيتها حين كادت أن تقع على وجهها والسماء تمطر طلب منها أن تتوازن ...ثقيل الآن رأسها ولا تستطيع أن تفكر بالتوازن أطرافها باردة ، وقدماها لا تحملانها وهو ما يزال جالس أمامها وقد استعاد رونقه وصوته أصبح أكثر دفئا بعد أن تبددت سحابة تعبه. تسرح لتفكر كم من الوقت استغرقته معه ، وكم من الوقت كان ينبغي أن تستهلكه مع طبيب الأسنان ...؟ لكن ما الذي سيخبرها به هذا الرجل الذي غافل الكون بأكمله ليشرب من قلبها ربما سيبدو ملائما أن يخبرها عن حنينه وغيابها ، وعن نومه الذي سرقته حوريات البحر لتدسه في النجوم.. وهي ما الذي ستشحذ انتباهه به أكثر من ثرثرتها الطويلة عن يومياتها ومذكراتها ،وربما تحليها بالكثير من الحياء حين يغازل كحلها وأحمر الشفاه الذي وضعته بعناية... لكن وليس طويلا ستنتبه إلى ضرورة أن تعود إلى البيت ولن ينسى أن يفتح لها الباب و (هي) تغادر كما بدأ مؤخرا يفتح قلبه لها وحين يعود إلى بيته سيخبر أصدقاءه عن فرحه بها وسيشرب ربما كأسا ليرتب الحكاية بينهما وستعود (هي) إلى البيت وستخبر الصديقات كيف أن العيادة كانت مزدحمة وكيف أن الطبيب كان مقرفا لأنه لا يعقم أدواته الطبية ويده كانت ترتجف وهو يمسك الحقنة ولن تنسى أن تضيف بتململ أنه طلب منها معاودته في جلسة أخرى.... سيتجاهلنها الصديقات بكل تأكيد ولا ريب أنهن في المرة القادمة لن يسألنها عن تفاصيل مواعيدها مع طبيب الأسنان ( يبدو ذلك مريحا بعض الشئ )
(هو )مشغول بمكالمتها ليلا ليخدر شوقه بصوتها مشغول برصف الكلام كمظلة لبردها القاسي مشغول بارتباكاته التي يمررها في رجفة يده كلما صافحته وهي تودعه ...(هي ) لا تملك ظلا تقف عليه منذ أن بدأت تغلف الأشياء بوجهه ، وتحزم الأسرار إلى مخدتها وتفكك أزار الذاكرة زرا زرا ولا تنام ......مشغولة بالأكاذيب ، وبدس رائحة حبيبها في ثقوب الأمكنة والشوارع مشغولة أيضا باطلاق الكلام الذي كانت تسرجه طويلا في صدرها.
__________________
الحارةُ أكبر
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 07-09-08, 09:59 AM
الصورة الرمزية حمد الغيثي
راعي الحارة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
الدولة: المهجر
المشاركات: 4,886
افتراضي

معصوبة العينين إلى البحر


أنا أنحني كسماء على بطني المنفوخ الذي أخشى من تكوره الغريب ، ولا أقوى على امتطاء هذا الحزن الأسود الذي بدأ يشربني منذ أربعة أشهر ، وتسعة أيام .غدا سأذهب إلى البحر معصوبة العينين لأغسل جسدي من بقاياك عليه ، ولأمتطي صهوة النسيان .سأعود عروسا بثوب أبيض ، وسأستبدل طرحتي بتلك العصابة التي ستحكم قبضتها على عيني . ستقودني النسوة عروسا للبحر الذي سيغتالني بملوحته حين يدغدغ أصابع قدمي لأضحك ، ورغوته ستمسد شعري المكشوف للشمس ، سأنام على عري موجة وحيدة مثلي ، وسألقي ثيابك ، وعدة حلاقتك، وإزارك الذي أودعته تحت رأسي برفقة الملح و(المجز) الحاد الذي يبعد عني الأرواح الشريرة ، كما سأتخلص من فراشنا المشترك ، وسألقي بك في عين البحر لترمد .هكذا قالت لي العجوز العمياء التي تحفظ القرآن عن ظهر قلب حين فرغت من صلاة المغرب ، وهي تناولني ثوبا أبيض. قلت لها قبل أن تخرج وأنا أقلبه بين يدي :
- هذا يشبه الكفن أكثر مما يشبه فستان الفرح ...
شحب وجهها ومدت يدها التي أخطأت لمسي حتى خطر بذهني أن هذه العمياء لا تملك أعضاء مبصرة ، لذا لم تكن قبضة يدها تمسك سوى الهواء صاحت بغضب :
- وهل أنت عروس ......أنت امرأة ستخرج غدا من العدة .....هل نسيت .....!!!
لم أنسى أن زوجي مات منذ أربعة اشهر وتسعة أيام ، ولم يترك لي من الإرث سوى هذه الجدران الموحشة ، والثياب السوداء ، والأبواب الموصدة ، والنساء الباكيات عليه ....
هاااه ...هل يجب أن أبكي عليك يا زوجي الغائب ،وأنت يحضنك التراب ، ويشاطرك الدود الحكايات ، وأنا هنا تضيق بي الجدران . هكذا ذهبت دون مقدمات ، ودون تبرير كاف لكل هذا العبث المجاني ، هكذا اقترفت الغياب ، وعصرت عمري البكر في إناء الترك .فاسد غيابك ، ويطبع بصمته على قمصاني الملونة التي لم أعد ارتديها منذ أن ذهبت ، هكذا غادرت لتحلق بعيدا ولأسكن أنا حكاياتي الناقصة كنت مسكونا بالخوف ، والبكاء وأنت تقول لي أن روحك سيحملها غراب في منقاره ،وكنت أنا أضحك عليك .هذه هواجسك أنت ابن( المنطقة الداخلية) تلك الأماكن التي لا تصلها سوى الغربان الضالة ، وعندما تشاهدونها تعتقدون أنها نذير شؤوم ،وتلبسكم عباءة الحزن . حين تزوجتني أخبرتك أمي أن البحر يسكنني منذ زمن بعيد ،لذا اضطررت لأن تشتري لي بيتا في منطقتي (الباطنة) نزولا عند رغبة أمي التي لم تحبذ ذهابي بعيدا عنها ، هكذا أجدت تدليلي سابقا أنا ابنة الثامنة عشره ، وأنت الأربعيني الذي كنت تريد أن تحصل على موافقة والدي للنزول على( ضرة ) تلك التي لم يتسنى لي بعد التعرف عليها، وعلى أبنائها الذين ربما هم في مثل عمري .اعتقد أيضا أنه من الجائر أن أنعتها ب(ضرة ) وأنا بعد لم أتعرف على طباعها تلك التي ربما لا تحيلها لهذه المسميات الخبيثة .كنت أسأل زوجي دائما :
- لماذا مذ جئت إلى منطقتي ، وأنت خائف من الغربان ، تتوجس منها حين تملأ حوش منزلنا ، وأنا أمسك نفسي حتى لا أقع على رأسي من الضحك .أركض خلف الغربان لأطيرها ،لكن مزاجك دوما متعكر فيما يتعلق بالغربان .وكنت تعاود الصراخ بوجهي:
- أنا لا احب الغربان سيأخذ غرابا ما روحي في منقاره ذات يوم ....
تلك الليلة التي سبقت وفاته تقلب طويلا في الفراش ثم اندس في صدري كالملدوغ ، مر زمن طويل على أن يحتمي بجسدي ، مسحت على رأسه وشرع يصيح بخوف :
- غراب ...غراب ...غراب ....
ظل يغرس خوفه كخنجر في صدري ، وأنا مندهشة من فزعه المبالغ .
لزمن طويل لم أكن أعرف إلا صوته المرتفع ، والنصائح الجاهزة وتقديم الطاعة والاحترام ، فوالدي حين اكتشف جنوني المبكر قرر أن يزوجني برجل كبير وعاقل ، ليخفت نزقي وجنوني ، دون أن يدري أنه كان يطفئني باكرا في سرير بارد ، ويدفنني في مقبرة رجل ينام باكرا ويصحو باكرا ليغادر إلى عمله قبل أن تستيقظ الغربان، وتثير ضجتها التي تؤذي شحمة أذنه ، بينما أنا أفتح ستائري على نعيقها ، وأترك لساقي الركض لمداعبتها
لم أكن أصدقك يازوجي ......
لكنك كنت محقا أخذ غراب روحك بمنقاره ، وطار ......
كان ذلك حين تأخرت عن موعد عودتك المعتاد من العمل ، وبقيت انتظرك بالقرب من الغداء البارد والصحون النظيفة انتزعني رنين الهاتف .....
- نعم زوجته .....ماذا .....لكن كيف .....؟
لم أكن أصدق أن الكائنات تسلم روحها بيسر ...لكن هذا ما حدث ، دخل غراب من نافذة السيارة المفتوحة فشهق خوفه ، واصطدم بشاحنة كانت تسير أمامه ، في الوقت الذي خرج الغراب من نفس النافذة المفتوحة وحلق وهو يحمل شيئا ما في منقاره ........
هكذا إذا كنت نبيا وكنت تعرف أن روحك منذورة لغراب ....
ربما تأخرت لكني الآن أصدقك .......
أنا الآن موثقة بهذا السواد ، وأنت بعيد . لم تكن في حياتك قريبا مني والآن أنا مضطرة لأن ألتصق بذكراك ، ومضطرة لاحتمال هذه الزائرات البغيضات اللواتي لا أدري من أين يستعرن الدموع ، وما إن يتوارين حتى يأكلن التمر، ويشربن القهوة ، ويفتحن شبابيك النميمة على اتساعها .أصبحت حديث الحارة . هنالك امرأة قالت لي أنك لم تمت وأن زوجها شاهدك الليلة الماضية تمشي عند الشارع العام ، وقبل أن افتح فمي كانت امرأة عجوز بالقرب مني ،وعمياء تقرأ القرآن غيبا تقحم نفسها في حديثنا قائلة : هذا الكلام لا يجوز الأرواح تزور الأماكن التي تعرفها في الأربعين يوما الأولى للوفاة .....
مطت المرأة الأخرى شفتيها وهي تردف : وما أدراك أنت ، وهل صدقت أنه مات بسبب غراب .....!!! إنه مسحور ، الغراب لم يكن سوى ساحر ماكر ، زوجي قال أنه سمع السحرة تشاورا فيما بينهم ليأكلوه .......
امرأة أخرى لا أعرفها تتدخل :
- اصمتا ...دعوها يكفيها الحزن .....
الحزن ...!!!! يا إلهي أنا لا أشعر بالحزن أبدا ، ولا رغبة لي في تقاسم البكاء مع هذه النسوة الغريبات الأطوار ...كم أنا صغيرة .......
اعتقدت أني صغيرة على الفرح والفستان الأبيض حين قرر والدي دون أن يستشيرني أن يلقي بي في حضن هذا الرجل الذي يكبر طفولتي بعكاز ، لأن الفتاة التي لا تتزوج باكرا سترتكب فضيحه ، والآن اكتشف أني صغيرة أيضا على هذا الحزن ، وهذه الملابس ، والجدران .امرأة أخرى تقترب مني تمسك برأسي تقربه من رأسها ، وتندفع بالبكاء ، وأنا صامته ، لا أشعر برغبة في شئ ، رفعت رأسها وبدأت تعدد أفضال زوجي علي وعليها دون أن تنسى تذكيري كم هو مخيف هذا الفقد .ليتها تعلم كم أنا فرحة باستعادتي نفسي ، و كل ما انتهكه زوجي من مسرات ، وعنب .تركتني حين لم أجد التفاعل معها والبكاء ، وتركت عيني مفتوحة باتساع دهشة .انسحبت نحو مجموعة من النساء اللواتي شكلن حلقة حول علب التمر ، والقهوة ، استردت قوتها ، وانخرطت بسرعة فائقة بالتحدث إليهن .لا أفهم .هل أنا صغيرة لأن لا استوعب هذا الحزن السريع ،وهذا الفرح المباغت .يا إلهي كم يجدن تبديل وجوههن !!!مازلن يتحدثن عن الغراب كلما أتت امرأة يحكى لها عن الغراب .ياااااه أيها الغراب فقط لو تأتي .احتاج إليك أن تزف روحي بعيدا من هنا ،و أود لو أحلق معك ..تعال .
المرأة العجوز والتي لا تكف عن قراءة القرآن ، طلبت مني أن ألبس شالا طويلا ، وأن أتركه يتدلى على الأرض ليسحب ، وأسير به في الغرفة والليوان والحوش لأخفي بقاياك ، وآثارك .....أليس مضحكا أن أفعل ذلك . ظننتها تمزح لكنها صرخت بوجهي وهي تشد الشال على رأسي قائلة :
- هيا ...يا ابنتي ..لا تبقي شيئا من آثاره هنا ،لا تتركي روحه تعلق بالأماكن .
أخبرتها :- وثقوب الذاكرة كيف سأنظفها ....؟
امتصصت صوتي ، وهي تسحبني من يدي بغضب و(الشيلة) تسحب خلفي صائحة :
- تلك الذاكرة سينظفها رجل آخر سيدخل حياتك يوما ما ...أو ربما سينظفها البحر حين نغسلك غدا .
أشك أن رجلا آخر ستمطر مواسمه فوق حريقي ، لكن ربما هو البحر سيفتح شاطئه الطويل امتداد خطوتي ، وسيلم اتساع جرحي ، وسيزبد حين أهم بالبكاء ، وأترك رأسي برأس موجة لنغني بصوت عال كل الأغاني التي نسيتها منذ أن دحرجني والدي في اتجاه معاكس للفضيحة .
اليوم أنا بيضاء وألبس ثوب طويل وأبيض خاطته جارتي ليلة البارحة لألبسه ليوم واحد هذا اليوم الذي سأرى فيه الشمس ، وسأغادر الجدران
التي اتسخت من كثرة ما حككت بها ظهري الحزين .الفرح يزغرد في روحي تمنيت أيضا لو كان باستطاعتي أن أحمل باقة ورد أحمر لأزرعه في البحر لكن العجوز العمياء كانت تزم شفتها بغضب كلما اقترحت شيئا جديدا .لم أكن أعي بعد أنه لا يجوز مخالفة العادات ،
لأن العواقب وخيمة ،ولأن أرواح الأموات مؤذيه إن لم أتقن أداء العدة .هكذا نبهتني العجوز .أردت أن أضيف بخوف : يبدو أن ( العدة ) تشبه الفيزياء والكيمياء والرياضيات المواد التي جعلتني أنفر من المدرسة إلى براثن زوجي رحمة الله عليه .ولكني لم أضف شيئا لأن العجوز ونساء أخريات كانت من بينهن أمي بدأن بربط العصابة على عيني ، ثم سمعت صرير الباب وهو يفتح ، فكان أن عانقني هواء ساخن بدأ يتحسس جسدي للتو .خرجت، والنسوة يسقنني من أطرافي ، وقدماي الحافيتان تنو سان على التراب الذي افتقدته .أخيرا بدأت أطرافي تطقطق ،وظهري يشهق عاليا ليقبل السماء ، والنسوة يبللن ريقهن بالعويل والبكاء . حملن في أيديهن كل الأشياء المشتركة التي تتعلق بنا يا زوجي وألقين بها في البحر .فجأة شعرت بالموج يقبل أقدامي. أنا الآن أتزوج البحر ،وهو يحاول استلطافي. أشعر به ينحسر ثم يندفع بولع إضافي صوبي ، يتسلق أقدامي ، وأنا اتجه صوبه بخطوات خائفة ، أتعرى من ثوبي الأبيض .أرخي نفسي على صدره لأسمع صوت أنفاسه المتعاليه ،تركت شعري ينبت على زبده ،ورغوته تخضب يدي بالحناء .اقترب مني ، وأنا بعد معصوبة العينين أستعين بأذني وجسدي لأشعر به .كانت القبله الأولى التي تركها في فمي مالحة ، ولذيذة أغوت صدري المكشوف على الإنغراس أكثر فيه . أنا أنتشي ، وجسدي يغريه هذا التدافع لدرجة أن العصابة بدأت ترتخي على عيني هكذا يفعل الأزواج عادة وهم يرفعون الطرحة من على وجه العروس. العصابة تسقط وعيناي ما تزلان مطبقتان بالحلم .النسوة يرفعن صوتهن ليخرمن سقف السماء ولكي يستمر الحلم بكل خفته على أعصابي خمنت أنها الزغاريد .لكن العجوز العمياء والتي تحفظ القرآن عن ظهر قلب تركتي فجأة ، وهرولت راكضة مع أصوات النسوة اللواتي قفلن عائدات من خلفي كوجع . كان الصمت الذي غلف المكان دبوسا في روح الحلم ، ورغم أن البحر لم يفقد شهيته بجذبي في اتجاهه إلا أن رؤوس الأسئلة تدافعت كالأفاعي في خوفي .. يا إلهي ما الذي حدث ..؟
فتحت عيني بخوف..شهقت في اللحظة التي سقط غراب في البحر كتفاحة ناضجة..
__________________
الحارةُ أكبر
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 07-09-08, 10:02 AM
الصورة الرمزية حمد الغيثي
راعي الحارة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
الدولة: المهجر
المشاركات: 4,886
افتراضي

صرار


عيناي معلقتان على سرة طفلي الصغير.. على ذاك المشبك الذي تدلى ممسكا بقطعة اللحم الطرية بعد أن بتر عن حبلي السري الذي كان يربطه بأحشائي... بحذر تام كنت أحمله إلى الحمام ... أزيح ملابسه وحفاظته برفق.. أمرر الماء على كامل جسده وأحاول جاهدة أن أمنع وصول الماء إلى سرته... يفتح فمه بالبكاء... ينتفض المشبك، وأشعر بارتجافة عارمة تمر على سائر جسدي خوفا من أن يقع "صراره" وينزلق... ألفه سريعا بالفوطة وأبدأ بتجفيف جسده الغض ابتداء من سرته التي تناثرت حولها قطرات الماء الدافئة، وانتهاء بأصابع أقدامه الصغيرة... ما يزال المشبك ممسكا بقطعة اللحم التي أوشكت أن تصبح سوداء، وثمة رائحة نتنة تعلق بأنفي كلما اقتربت لأقبل بطنه الضئيل...
في المساء وعندما يغلق فمه على بكائه أشرد بذهني بعيدا لأفتش في ذاكرتي عن مكان جميل يمكنني أن أخبئ فيه "صراره" الذي سيقع بعد أيام قليلة... تذكرت "أم عبود" التي احتفظت بـ "صرار" ابنها لزمن طويل في درج سري من أدراج غرفة نومها، وانتظرت بشوق مجيء الوادي ثم قذفت به بكل ما تملك من قوة كمن يقذف بسر كبير إلى غياهب النسيان.. لم أستطع وقتها أن أحتمل الأسئلة التي انتشت في رأسي بينما كان الجميع متشاغلين بالحديث عن الوادي والأمطار التي بات يتأخر مجيئها عاما بعد عام.. اقتربت من "أم عبود" كمن يحاول أن يشم رائحة حكاية مخبأة :
ليش عقيتي صرار عبود في الوادي؟
اغرورقت عيناها بالدموع:
بيصير مثل هذا الوادي .. نشيط وقوي ...
لم يخنها الوقت، أصبح "عبود" رجلا قويا كلما مرّ من أمامي أشعر بأنه واد جارف يستطيع أن يأخذ كل شيء معه ...
لكن لا.. لا ..لا يمكني أن أنتظر مجيء الوادي.. ما زلنا في فصل الصيف الجاف، ولا شيء يشير إلى هطول المطر ..
تأملت وجه صغيري الأبيض الذي يطل من تحت "كمة" رأسه تلك التي خطتها من القماش، وجسده النحيل ملتف في "قماطه" الناعم الذي يمنع حركة يديه وقدميه... هكذا كعادة كل مساء كنت أحكم وضع "القماطة" على جسده، وأنا أتذكر ما قالته بنت معلم القرآن ذات يوم في "المعصر"... قالت: إن الأطفال يخافون كثيرا عندما يرون أيديهم فهم لا يعتقدون أنها جزء من أجسادهم ويشعرون أنها كائنات أخرى غريبة تحوم حولهم... لذا ينبغي على كل أم أن تحكم "قمط" أطفالها...
اطمأننت إلى أن طفلي ما يزال مستغرقا في نومه... سرحت بفكري مجددا وتذكرت "أم علوي" التي لم تنتظر مجيء الوادي... ولم ترغب في أن يكون ابنها نشيطا وخارقا للعادة مثل "عبود" .. ظللت أتردد على زيارتها في الأيام التي بدأ "صرار" "علوي" ينشف، وكنت أصر على سؤالها، وعمري لا يتجاوز التاسعة:
خالوه... وين بتدفني "صرار" "علوي" ؟
كانت "أم علوي" تشيح بوجهها بعيدا عني وتتململ من زياراتي المتكررة، وأسئلتي التي لا تنتهي...
كنت أراقبها وهي تأكل "قروص السمن والعسل" الشهية لتستعيد عافيتها بسرعة، ومن حين لآخر تكشف عن بطن "علوي" وتدعي أنها منشغلة بتغيير حفاظه..
في أحد الصباحات الباكرة طلبت مني أمي أن أحمل "سحلة الحلبة" إلى "أم علوي" فخرجت مسرعة، وأنا أكاد أنط من فرحي.. لاحظت أنها توشك على الخروج .. اختبأت وراء أحد الجدران التي تظللها شجرة بيذام كبيرة .. كانت هذه هي المرة الأولى التي تخرج فيها "أم علوي" من فراشها ومن التصاقها المحموم بطفلها... تبعتها بكل الفضول الذي تملكني.. لم تتوقف إلا عندما وصلت قبالة باب المسجد.. تلفتت بحذر كمن يوشك على سرقة شيء ما، وهي تحفر حفرة صغيرة سرعان ما ألقت فيها "الصرار" ودفنت الحفرة سريعا ثم داست عليها بقدمها عدة مرات لكي لا تنبشها خطوات المارة للصلاة .. كانت "سحلة الحلبة" ثقيلة وساخنة.. شعرت بحرارتها تسري في راحتيّ... لكني عرفت سر " أم علوي"، وعرفت بعد زمن طويل لماذا انحنى رأس ابنها إلى الأرض وهو ينقاد إلى الصلاة بخشوع غريب، كمن ينقاد إلى قدره أو إلى حكاية تخصه .. كان يجلس بعد الصلاة لزمن إضافي يقرأ القرآن..... انحنى رأسه كثيرا وكأنه يفتش عن تلك الحفرة التي سقط فيها جزء من جسده لدرجة أن الناس تناسوا "علوي" الصغير.. وتذكروا الشيخ "علي" وبركاته... فلم يعد أحد في قريتنا يجرؤ على مناداته بغير الشيخ...
ربما عرفت "أم علوي" أن سرا آخر للحياة يمكن له أن يبدأ من قطعة اللحم الصغيرة والمتعفنة تلك ... ربما عرفت أن روحا أخرى ستنبثق فيها ... وأن الحظ والخطوات سيتغير مسارهما كيفما تسنى لنا أن نتقن اختيار المكان الذي نزرع فيه جزءا من جسدنا...
أتذكر الآن أن أمي أيضا كانت تنبهنا دائما لضرورة أن ندفن أظافرنا في التراب.. اخوتي كانوا ينثرونها في الهواء أو يتخلصون منها في أقرب سلة مهملات في أحسن الأحوال... وأنا كنت أقص أظافري وجسدي ينتفض خوفا من أن تقع قطعة صغيرة ولا أراها ... أمي قالت: إن كل ظفر يضيع منا أو لا يدفن جيدا سنضطر لالتقاطه بأهداب أعيننا.. لذا فكرت بطريقة آمنه لا أخسر فيها.. فكرت بحفر حفرة صغيرة في حوش منزلنا لألقي فيها أظافري وأدفنها مباشرة... لدرجة أنه لم يتبق مكان صغير في حوشنا لم أحفر فيه حفرة، وكنت في كل مرة أعلق الأماني قبل أن تشرع يدي بتغطيتها .. أمانٍ كثيرة لا تعد ولا تحصى.. أمانٍ كانت تتحقق، وأخرى تذبل على شجرتها.. وثالثة كانت تغير مسار حظي وخطواتي...
والآن يلح علي هذا السؤال المتعب... أصبحت سرة طفلي ناشفة، وقد وضعت عليها زيت الزيتون.. ستقع صباح الغد أو في مسائه على أبعد تقدير... لكن أين عساي أدفنها...؟ أين سأودع سره...؟ وأي مكان يمكن للحظ أن يبتسم فيه أكثر...؟ وأي تربة يمكن أن تتشابه مع عجينة روحه...؟
أقع الآن في حيرة من كل الأمكنة... فلكل طريق باب وخلف كل باب تتفتح وردة أو يعصف جحيم... لست مطمئنة... أخشى أن تتسرب رائحة السرة إلى الجارات، وأن تتناقلها الوشايات الدنيئة... وأن تضيق الخيارات أمامي كلما اتسعت الأمكنة...
انقدح في ذهني شرار فكرة مجنونة... انقدح المكان بكل تفاصيله.. المكان الذي تمنيت أن أذهب إليه وعلقت أمنيتي بذلك على كل حفرة طمرت فيها أظافري ولكن الأماني خذلتني ولم أستطع الذهاب إليه.. الجامعة... نعم... الجامعة..
لا أريد أن يكون ابني نشيطا كالوادي، ولا أريده أن يكون إمام مسجد... أريده أن يدخل الجامعة... هذه أروع فكرة يمكن أن تخطر بذهني الآن... سأنتظر أن يأتي زوجي من سفره البعيد... وسأطلب منه أن يذهب إلى العاصمة ويزرع "صرار" ابننا بالقرب من كلية الطب أو الهندسة.. أمي قالت: إن تلك الرائحة التي ستنبعث من قطعة اللحم الصغيرة، والمدفونة بسرية تامة ستكون كالقوى الخفية التي ستجلبه ذات يوم إليها... لا شيء كتلك الرائحة سيدله على خطاه، ولا يمكن لأي منا أن ينفصل عما يخصه من تفاصيل...
في البداية لم أصدقها ... قلت في نفسي إنها من خرافات الأولين، لكن الحكاية بدت مغرية ... لذا قررت أن أصدق أمي هذه المرة أيضا لكي أطمئن إلى أن حاسة الشم ستقود طفلي إلى مكان رائحته تماما...
لم يخرجني من نشوة الفرح بتلك الفكرة إلا بكاء طفلي... قربت أنفي من حفاظه فانبعثت رائحة كريهة بت أعرفها جيدا .. كان لا بد من أخذه إلى الحمام للتبديل... لذا حملته بين يدي.. أزحت الحفاظ المبتل والملوث... فتحت صنبور الماء.. مررت يدي لأغسله.. فانفلت "الصرار" من جسده دون أن انتبه .. حاولت الإمساك به إلا أنه تسارع راكضا مع الماء ... ولم أفق من ذهولي إلا على صوت وقعه في البلاعة..
__________________
الحارةُ أكبر
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 07-09-08, 10:06 AM
الصورة الرمزية حمد الغيثي
راعي الحارة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
الدولة: المهجر
المشاركات: 4,886
افتراضي

على رأس جني


يجر هزاله نحوي، والعرق ينضح من جسده بغزارة .يقتني مظلة حمراء، وربطة عنق تنافرت ألوانها بشكل يدعو أمعائي للتقيؤ. يمط شدقيه ليبادل الخواء ابتسامة خضراء،ويرقص كالعصافير أتحاشى فرحه المجاني،وهو يحرك الهواء تحت ساقيه كدراجة هوائية ليصطدم بانتباهي الكبير....

كشمعة ضريرة ظل يسكب رمقه الأخير في فضاء ينضد فراشاته وفقاعاته قبل أن يختنق الكون بزبد العتمة. وكالأمهات يتماثل للحب والكثير من الغفران كلما علقه الصبية على مشجب المناوشات والمزاح الثقيل.خذله الزمن المجدول من فل ونرجس وتساقط في مسافة مفخخة بخنجر خيانة فادحة يفت بلور الروح....

أتابع سيري وأنا مندهشة من قدرته على جر كل هذا البهاء.أعرفه منذ زمن متخبط بهذا المس يقال أنه بال على رأس جني حين كان في العاشرة من عمره (عيسى) صديق طفولتي كنا نلعب معا، ونأكل النبق سويا، وحين تشتد حرارة الشمس نسترخي بجسدينا في بركة صغيرة تدار مياهها في أفلاج متعرجة لتسقي أشجار الموز. كنا نتحدث عن أحلامنا بشهية، وكنت لا أمل ثرثرته عن مشاكساته الطفولية. (عيسى) لم يكن خشنا معي كان دائما يمد يده برفق لينتشلني من البركة. ذلك اليوم لم يأت (عيسى) ليصطحبني إلى سدرة النبق كعادتنا ظللت انتظره إلى أن غلبني النعاس فاستلقيت على سريري، حدقت في المروحة المعلقة في السقف فغفوت لأصحو على زعيق مرتفع في الخارج تملكني رعب هائل لأنني كنت قد حلمت أن عيسى غرق في البركة بحلقت من النافذة لأجد الناس ملتفة حول منزل (عيسى) خرجت، استرعى انتباهي تلك الهمهمات التي انطلقت حارة من الحناجر السمراء لكني انتبهت فجأة لحرارة الأرض التي بدأت تلسع أسفل قدمي لقد نسيت انتعال حذائي،وأنا أركض بفستان قصير إلى الركبة وضفيرتي الفاحمة تنط لتصفع ظهري. شاهدت(عيسى) ممددا على فراش أبيض،ورأسه راقد في حجر أمه (ريه) والناس تردد بجزع:

_ لاحول ولاقوة إلا بالله....ذهب الصبي من بين أيدينا..

وقفت ضائعة في زحمة الهمهمات الطائشة خطر ببالي أن أصفعه ليستفيق ونذهب سويا لنغسل أرواحنا من هذا القيظ،ونتبادل أحاديثنا المفعمة بالفرح والبهجة أزاحني الشيخ (عبد الله) عن طريقه وجثى على ركبتيه ليتفحص جسد (عيسى) كان يقرأ شيئا ما بصوت منخفض ربما آيات قرآنية،وأدعية كان يدهن على جسد عيسى بمادة زيتية ويبصق عليه وهو مستمر بالدعاء و(عيسى) لا يزال نائما.... شعرت بقرصة الحرارة تحك أسفل قدمي رفعت قدما على أخرى لكني سرعان ماغيرت وضعيتي لأنها لم تلائمني. بدأ العرق يتصفد على جبهة الشيخ (عبدالله) ولحيته و(ريه ) لا تزال تحشد شفقة الجيران في خرقة عويلها لاأدري لماذا لماذا لم أصدق الامر.. بدا كالكذب الأبيض،وكالمقالب الغبية وقف الشيخ( عبدالله) قائلا:

_ لقد لحس الجن عقله

اشتد الصراخ والعويل،وهو يضيف:

_ لقد بال تحت شجرة النبق على رأس جني....قدمي القرابين يا(ريه) لشجرة النبق عل الجن تغفر خطيئته....

تركنا الشيخ (عبد الله) ورفعت النسوة( عيسى )إلى داخل المنزل،وانتشر الخلق محملين بالخيبة والحسرة سمعت همهماتهم الباهتة:

_المسكين...ذهب عقله.....والجن قلما تعفو عن الخطايا....

نسيت لوهلة قدمي فوق السخونة، وكأنهما استؤصلا مني.. لم أعد اشعر بهما.. بألمهما لم استوعب الموقف جيدا ظللت واجمة.خرجت فجأة (ريه) محملة باللحم والحلوى والتمر والبخور والحزن الكثير. سرت معها لا أفهم شيئا كل شيء مكتنز بالغباء.. كل ما أعرفه أنها تتجه صوب سدرة النبق. رأيتها تنضد اللحم والحلوى والتمر ثم تشعل البخور في موقد صغير وترش عليه بخور اللبان لتنتشر الرائحة حولي قوية وحادة وهي تدور حول الشجرة وتتمتم بالأدعية كتلك التي قالها الشيخ (عبدالله) ولم أفهمها لكنها كانت تشي بالكثير من الاعتذار حتى خلت أنهم سيخرجون من الأرض أو سيتدلون من أعلى الشجرة جلست(ريه) ورائحة البخور تمتزج بالدخان فجلست بقربها.. مسحت على ضفيرتي وضمت رأسي إليها وهمست في أذني:

_ (عيسى) ذهب من بين يدي ياابنتي......

اردت أن أخبرها أن (عيسى) نائم لكنها لن تصدقني، ربما بدأت أنا بتصديقها فكل شيء مشوه وشاحب... وهذه اللعبة تستعصي على ادراكي. بردت حرارة الشمس استطعت العودة إلى المنزل بمفردي تركت (ريه) خلفي تعلق التمائم والأدعية على أغصان خساراتها الكبيرة تأملت مدخل بيت(عيسى).. كل شيء هادىء خطر ببالي نفس الخاطر أن أصفعه بعنف لأنهي هذه المهزلة لكني سرعان ماتراجعت لفت انتباهي قميصه العفني الذي أحبه وعلى ياقته تكورت بقع الزيت والبصاق....

لا أدري لماذا خطر ببالي أن أضم القميص إلى صدري بعنف تحت بطانيتي، وأنشج بالبكاء....

(عيسى) متخمر كالفطيرة في فراشه لم يعد يأتي ككل صباح ليصطحبني إلى المدرسة كعادته قرعت بابه العديد من المرات وأخبرتني (ريه) أنه لن يذهب اليوم أيضا إلى المدرسة.. فتيات الحارة يشمتن بي لأني الوحيدة التي كانت تصاحب صبيا... أخبرنني أن الله عاقبني فأخذته الجنيات مني..هكذا يعلقن على حائط غيابه الطويل وعجزي الذي ينضح من حيلتي الهشة.... خطر ببالي أن أهرب من الحارة...خطر ببالي أن أقتل (عيسى) في الذاكرة.......

اليوم انتبهت له وهو يعبرني ليحرض في ثورة أو بكاء هذا (عيسى) جاء ليمشط أرجوحة قديمة علقناها على شجرة النبق. كان يدفعني بقوة في الهواء وهو يضحك أخبرني بأن أغمض عيني وكلما ارتفعت ولامست سقف السماء أسرق نجمة وأدسها في فمي قال إن لها مذاقا يشبه طعم القبلات... وكان لي دمية صغيرة اتفقنا على أن نتبناها معا ونصبح أبا وأما صالحين لكنه خذلني ترك الصغيرة في حضني وحيدة لذا لم تعد أطرافها تنمو كبقية الأطفال وفي البركة الصغيرة أخبرني (عيسى) أنني حورية بحر، وهو الفارس الذي سيلعق جسدي جيدا لأتناسب مع اليابسة.. و ها أنا ذا حورية معلقة على تعاويذ تستغفر لذنبه.... وهذا جسدي نسي طعم الملح....

هاقد كبرت ياعيسى وأنت لا تزال صغيرا تحت سدرة النبق، وربما لا تزال متمددا بجسدك في البركة وفي خزانة قديمة في العلية ينام قميصك العفني الذي أحب بقرب دمية انفتق ابطيها من كثرة ماقلبتها بين يدي.. ها أنا أمر على بيتك كل يوم محملة بدفتر جامعي ومجموعة روايات شيقة تمنيت لو أتبادلها معك لكنك لا تزال هناك تهذر ببطولاتك البريئة التي لم أعد أشتهيها وربما.......لم أعد أشتهيك.

(عيسى ) منهمر علي ببلادته كالجوع، وعيناه تتسلق جسدي الذي انفلت من شرنقته بسرعة، انفر من تلصصه المزعج، اتابع سيري لكنه ظل يعبث بسرة جنوني ليدغدغ (عيسى) الصغير النائم تحت أظافري وأنا تنتابي خشية أن يستيقظ (عيسى) على خارطتي التي لن تمنحه وطنا معافى. أردت أن أفر صوب جهات لايعرفها لكنه ظل كالشبح يعاند خطواتي دون أن أجد لغة مناسبة أتفاهم بها معه فثمة شرخ كبير بيننا،ومساحة شاحبة لم يشذبها الوقت بعد. التفتت صوب عينيه مباشرة لأرسل شفرة متورطة بالخوف من شيء بدأ يرتجف في أحشائي:

- (عيسى) الفرح الذي أهديتني إياه فقد طعمه، ورائحته منذ أن أقمت بينك وبيني فجوة تتسع لاختناق... (عيسى) ابق هناك بذاكرة بدائية، فليس ثمة هنا ما يبهج، وحدك من احتفظ ببراءته نظيفة حين خبأها على رأس جني، وحدك من أصبح يمرق أمامنا بمخ ضفدعة مكفوفة، وبروح منثلمة قلما تتصالح مع حاراتنا التي لا تزال بحاجة لمزيد من التشحيم لتبتسم بسخرية في وجه الغرباء.... هاأنت يا(عيسى) تنذرني لفزعك وحزنك الكبير حين تقذفني بالخصوبة والبهاء من نوافذ أغلقتها جيدا خوف البرد، والعري...

يبدو أنه لم يستوعبني جيدا.. يقترب مني ليفسح لعينيه مجالا لتتجول في جسدي، يتلعثم بكلمات لاتبدو منسجمة:

- لنذهب صوب اللعبة... الحرارة مرتفعة...... سنأكل حتى التخمة...

يمرر يده المعروقة برفق فوق يدي ليصطاد أصابعي لكني سرعان ما انتشلها منه بحدة صائحة:

- أيها المجنون....

يحملق في بنظرة حادة،شعرت بها تحرق رتابتي، وتنخر اتساقي مع الموجودات تنتابني الحيرة من مزاجه الشقي،وأشعر بالخوف من لهاثه خلفي. أبلل ريقي بالادعية، عل الله يصرفه عني، وعيون الشارع ترقبنا بتحفز يولج شهوة الفضول،ومن بعيد يصيح بي رجل عجوز:

-ياابنتي...إذا أخذ الله ما أعطى أسقط ما أوجب....

ثم يسير متسقا مع طراوة الهواء دون أن يضيف المزيد، و(عيسى) يطفح على جلد ذاكرتي لينبش وجعي القديم فلا يزال مرحا كفاية لكي أخشاه وأخشى همجيته الطارئة... يقترب مني أكثر أشعر بجسده يلتصق بي وهو يسرف بتمتماته المندلقة من سقف وجعه حتى ارتعدت أوصالي.. وأنا لا أفهم شيئا من كلامه الذي يشبه الرقى:
_ في البركة تنام جنية جميلة.... سنلعب بالدمى معها.... ثم سأبلل جسدك بالماء..... تذكرين....؟؟

شعرت به يشدني صوب مدن لا أعرفها لذا تراجعت خطوة إلى الوراء، والشارع يطفىء عيبيه عنا لأن الله إذا أخذ ما أعطى أسقط ما أوجب....
إنه قريب جدا مني، أنفاسه كعبق البخور، وصوته يخرج من كهف بعيد
كالتعاويذ... يا إلهي لقد استفاق عيسى الصغير بداخلي.
__________________
الحارةُ أكبر
رد مع اقتباس
رد

مواقع النشر

أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود BB متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع إلى


جميع الأوقات بتوقيت GMT +4. الساعة الآن 01:27 AM.


Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd

Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.3.1

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61