العودة   الحارة العمانية > حارة السياسة والاقتصاد والقانون > فرع التأريخ السياسي

"تاريخ عمان السياسي" للأستاذ الأديب عبد الله بن محمد الطائي

فرع التأريخ السياسي

رد
 
LinkBack (2) أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #41  
قديم 11-06-09, 03:29 PM
باحث في التاريخ
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 2,507
افتراضي

تابع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الثالث ... دولة اليعاربة

6- الإنكليز الأوائل


هنالك زيارات قام بها بعض الإنكليز إلى عمان و سائر بلدان الخليج العربي ، جدير بنا أن نطلع عليها منذ بدايتها و أن نرافق نشاطهم ببلادنا من حيث بدأ ، فيكون القارئ على بينه تعينه على تفهم ما سيطلع عليه من أدوارهم التي قاموا بها في تاريخ هذه المنطقة.

حاول الإنكليز أن ينالوا نصيبهم أيضا من تجارة الهند و السيطرة على الطرق البحرية ، و كانت أول محاولة لهم عام 1581 م عندما أرسلت إحدى الشركات وفد لجمع المعلومات و يبحث إمكانية منافسة البندقية و لشبونه في التجارة عبر البحار ، و صحب الوفد من التجار المستر نيوبري و المستر فيتش.

و في عام 1583 م كانت البعثة في سورية ثم إتجهت إلى بغداد و البصرة ، و من هنالك أبحرت إلى جزيرة هرمز و مرت بالبحرين و قلهات و مسقط ثم إتجهت إلى جوا و عادت إلى إنكلترا عام 1590 م.

و على ضوء المعلومات التي قدمتها هذه البعثة أرسلت ثلاث سفن عام 1591 م بقيادة الأميرال رايموند إلى شرقي الهند ، و قامت بنفس دور البعثة الأولى في الإستكشاف و العمل على ضوء التقارير السابقة فنجحت ، و أدى ذلك إلى إرسال قطع أخرى من السفن تمكنت إنكلترا على أثرها من شق طريقها نحو الهند.

و عندما أسست شركة الهند الشرقية عام 1600 م كان لابد لها من أن تتبع خطا من سبقها من الإنكليز في الشرق ، فأرسلت سفينة تجارية بقيادة هنري مدلتون عام 1610 م ، و الجدير بالذكر أن تلك السفينة كانت أكبر سفينة بنيت في إنكلترا حتى ذلك الوقت إذ بلغت حمولتها ألف طن ، و كان هدف مديلتون هو زيادة المتاجرة بالفلفل الأسود ، و دراسة الأحوال في تلك البلدان. و عندما وصل إلى مخا بالقرب من صور هاجمه بعض التجار العرب مستنكرين وجود سفينته ، فأخذ مديلتون ينهب السفن العربية في البحر العربي و يسلبها انتقاما ، فانقلب من تاجر إلى قرصان.

و في عام 1613 م خرجت سفن أخرى بقيادة الكابتن نيوبورت ، و في نفس العام خرج بصورة شخصية المستر ستيل و دخل الهند ، فأرسل إلى شركة الهند الشرقية مقترحا عليها أن تجد في فتح مركز تجاري لها بإيران ، فإنتدبت الشركة بعثة إستشارية عام 1614 هـ زارت سورت بالهند و بوشهر بإيران و مسقط بعمان و غيرها من الموانئ ، و جدت أن ميناء جاشك التابع حاليا لإيران و هو من مقاطعة بلوشستان هو خير ميناء لتأسيس معمل و تكوين مركز تجاري ، و حصلت البعثة على إذن بذلك من الحاكم . و شهدت إيران خاصة منافسة كبيرة في التجارة بين الإنكليز و الأسبان و البرتغال.

و كان الإنكليز في جاشك على أتم الإستعداد لصد أي عدوان يقوم به الإسطول البرتغالي المرابط في مسقط على منشآتهم في جاشك.

و في مارس عام 1620 م بدأ الإتصال الشخصي بين ملك إنكلترا جيمس و بين شاه إيران ، فقد شكره على التسهيلات التي يقدمها للبريطانيين.

و بعد أن ظهر توسع الإنكليز في التجارة بالهند و توثقت العلاقات بينها و بين إيران و صار لها مركز في جاشك ، بدأ الهولنديون يبذلون كل جهدهم لمقاومة الإنكليز ، فأرسلت حكومة هولندا تعليمات لممثيليها في الهند و إيران لعرقلة العمليات الإنكليزية في الهند ، و لكن إنكلترا كانت تستعد لذلك فهيأت عام 1620 م فرقة خاصة لحماية سفنها التجارية من الهولندييين و عينت السير توماس ديل قائدا لتلك الفرقة البحرية و جرت بين الطرفين معارك أشهرها تلك المعركة التي جرت في مدينة أمبوينا (Amboyna) بالهند ذبح الهولنديون فيها كثيرا من الإنكليز و ذلك عام 1622 م ، و بالنسبة للتنافس بين البرتغال و الإنكليز فقد ظهر أول أثر له عام 1620 م عندما إشتبكت سفن بريطانية في البحر العربي مع سفن برتغالية.

و في عام 1621 م نقل الإنكليز مركزهم من جاشك إلى بندر عباس جنوبي إيران ، و بذلك اقتربوا من عمان ، فهم الآن محاذاة المنطقة الشمالية منها (ساحل عمان) و في عام 1626 م حاولوا بناء قلعة لهم في هرمز و لكن حاكمها خشي معارضة البرتغال.

و في عام 1632 م ظهرت أول مكائد الإنكليز للتدخل في شؤون عمان و ذلك في عهد الإمام ناصر بن مرشد ، و لعلهم أدركوا مصير البرتغال ، إذ رأوا إجماع الشعب العربي في عمان على تأييد الإمام ناصر و بتقربهم قد يسـتعين بهم ناصـر على البرتغال ، و كانت علاقتهم بالفرس كما بينت وطـيدة ، فأوعزوا إلى حاكم شيراز أن يهجم على مسقط ، و لكن حاكم شيراز لم يتجاسر على ذلك ، و أعادوا عليه الكرة عام 1635 م فإعتذر لهم بإحراج موقفه إذا ما عرض عليه أصدقاؤه الهولنديون المساعدة ، ثم ما مصير الحاكم الفارسي لهرمز و غيرها إذا فشلت المحاولة ضد البرتغال.

و شهد عام 1641 م إنتصار الهولنديين على البرتغال في ملقا (جزر الهند الشرقية و تقع في خليج ملقا بماليزيا) إذ إنتزعوها من البرتغال ، و ذلك أصبحوا يحتلون المركز الأول في التجارة بأوروبا ، و إحتكروا تجارة التوابل و إستمرت قوة التجارة الهولندية في الذروة من السيطر مدة مائة عام.

و وجد الإنكليز أن إتصالهم بشاه إيران يتيح لهم مجال التدخل في المنطقة ، فوصل إلى البلاط الإيراني السير أنطوني شيري عام 1598 م يرافقه أخوه و معهما ستة و عشرون شخصا ، و قدم الأخوان نفسيهما كفارسين بريطانيين سمعا عن شهرته ، فجاءا يطلبان شرف الدخول في خدمته ، في حين كانت مهمتهما إقناع الشاه بمساعدتهم على الدولة العثمانية و فتح طريق تجاري لإنكلترا ، و قد إستقبل الشاه الفارسين بحفاوة و أصدر أمرا بمساعدة التجار الإنكليز ، و قد عاد شيري و لكن أخاه روبرت بقى ببلاط الشاه و عين قائدا للجيش الفارسي.

كان تأثير الأخوين كبيرا على الشاه ، فأرسل روبرت إلى لندن ليعلن للمسئولين فيها رغبة الشاه في تقويض الدولة العثمانية و التعهد بمساعدة الأوروبيين ، عاد روبرت من رحلته بعد أن وثق العلاقات بين بريطانيا و إيران ، و أوصى شركة الهند الشرقية بتأسيس مركز لها في جواذر ببلوشستان. و جواذر لها مكانة كبيرة في المواصلات بين منطقة الخليج العربي و السند و الهند.

و بعد ذلك أنشئت مراكز للإنكليز في شيراز عام 1617 م و أصفهان عام 1618 م و جاشك عام 1619 م ، و في عام 1618 م و قع الإنكليز إتفاقية مع إيران تتعهد بريطانيا فيها بشراء منتوجات إيران جميعها من الحرير.

و حدث أول إصطدام بين الإنكليز و البرتغال عام 1615 م ، وحدثت معركة ثانية على مياه جاشـك عام 1620 م عندما منع الأسطول البرتغالي سفينة إنكليزية من الدخول إليها ، و لكن السفينة عادت بحماية أسطول من الهند فدارت معركة إنتصر فيها الإنكليز.

يتبع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الثالث ... دولة اليعاربة

7- الإمام سلطان بن سيف
__________________
سأعيش رغم الداء و الأعداء *** كالنسر فوق القمة الشماء
أرنو إلى الشمس المضيئة هازئا *** بالسحب و الأمطار و الأنواء
لا أرمق الظل الكئيب ولا أرى *** ما في قرار الهوة السوداء


"أبو القاسم الشابي"
رد مع اقتباس
  #42  
قديم 12-06-09, 03:45 PM
باحث في التاريخ
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 2,507
افتراضي

تابع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الثالث ... دولة اليعاربة

7- الإمام سلطان بن سيف


بعد فاة الإمام ناصر بن مرشد إجتمع زعماء عمان و قرروا مبايعة إبن عمه سلطان بن سيف بالإمامة و كان أحد أركان دولته ، برز في محاربة البرتغال بصور و قريات ، فخاض معارك هائلة إضطر طلائع الإستعمار الغربي أن ينسحبوا بعدها عن المدينتين.

و قد أسس الإمام ناصر الحكم الداخلي و وجه الشعور الشعبي نحو جلاء الأجنبي ، فوجد الإمام سلطان أن تحقيق هذا الهدف هو الواجب الأول الذي يجب أن يؤديه ، و لذلك زحف على مسقط فجمع جيشا كبيرا إمتد من المكان المعروف اليوم بسد روي إلى طوي الرولة بمطرح ، و تبلغ المسافة بين المكانيين نحو ثلاثة عشـر كيلومترا ، و أخذ يهاجم البرتغال في مسـقط صباحا و مسـاء و ليلا ، فكان يصل في هجومه إلى المكان المعروف بطوي الراوية في مسقط فيشتبك مع حماة القلاع بنيران المدافع و السلاح الأبيض. و كان البرتغال قد صـمموا على الإستماتة دون تسليم مســقط ، فبنوا على الجبال قلاعا صغيرة ملأوها بالجيش ، و أقاموا سلسلة ممتدة بالفضاء مرتبطة بقلعة إبن رزيق من جانب و قلعة المربع من الجانب الآخر ، و تحمل هذه السلسلة أسرة حديدية يجلس بها الرماة ليمنعوا توغل العرب إلى داخل مسقط ، كما إنهم إنتشروا في جبل السعالي و جبل المكلا ، فكانت الحرب سجالا بين الفريقين ، البرتغال متحصنون بهذه القلاع و الجبال و العرب يدخلون إلى المدينة يقتلون و يقتلون ، و يصرخ الناجون منهم مخاطبين البرتغال: "البراز البراز فليس الشجاع من يحتمي بمكانه فقط".

إستمرت الحال على هذا أياما و الإمام ثابت يشرف على المعركة بنفسه حتى قرر أن يهجم هجوما واحدا ، و في صباح أحد أيام الآحاد خطب الإمام في جيشه و تحفز نهار الهجوم ، و ألقى الأمر الى أبطاله فإنقضوا على البرتغال يتسلقون الجبال و يستهدفون السلسلة و القابعين بأسرتها ، و دارت بين الفريقين معارك ضارية تمكن الإمام من دخول القلاع الصغيرة و حصني مسقط الكبيرين و طرد البرتغال منها ، و لكن قائدا برتغاليا إسمه كبريتا ثبت للمعركة حتى قتل في سوق الأثواب (المتهدم الآن) و تقع في الطريق بين "الجريزة" و السوق الداخلي أو حوالي دائرة البلدية القديمة ، و مع ذلك فإن تبادل الرصاص لم ينته ، فقد و قفت بارجتان كبيرتان في مياه مطرح و وجهتا نيرانيهما إلى مسقط و كانت مدافع أحداهما تصل الى قرية سداب جنوبي مسقط ، فأمر الإمام جماعة من الفدائيين أن يخاطروا بمهاجمة المركبين ففي موتهم حياة لأبناء البلاد جميعا ، و لبى الفدائيون أمر الإمام و إستقلوا زوارق صغيرة متجهين إلى البارجتين ، فدارت على ظهرهما معارك ضارية إنتهت بوقف الرصاص و الإستيلاء على البارجتين. و بهذا سقطت آخر معاقل البرتغال في الأراضي العربية العمانية و كان ذلك في مستهل عام 1649 م.

و بعد هذا كله يقف بعض المؤرخين الغربيين و يشايعهم و يا للأسف المؤرخ العماني محمد بن رزيق فتنسج قصة خيالية أشاعها أعداء العرب في مدينة مسقط و خارجها ليقللوا من قوة العرب في هذا الإنتصار ، إذ يروون أن تاجرا هنديا إسمه نارنيتم و هو وكيل البرتغال العام في مسقط أراد قائد البرتغال باريرا أن يتزوج إبنته فلم يجد هذا مهربا من ذلك إلا أن يتفق مع العرب على إحتلال مسقط فأغرى القائد بوجوب إستبدال الذخيرة و البارود من الحصنين الجلالي و الميراني لأن العرب إن هجموا فلابد لهم من محاصرة الحصنين ، فالأفضل الاستعداد و تبديل الذخيرة. و عندما نفذ القائد رأي صهره المنتظر أخبر هذا الإمام سرا و بدأ الهجوم.

و لقد وافق ابن رزيق المؤرخين الغربيين رغم إن ابن رزيق هو صاحب الوصف الذي أخذت منه تفاصيل معركة مسقط التي خاضها العرب بكل بطولة و بسالة ، و أورد دلائل لنقض روايات هذه الإسطورة و إن نسبت للمصادر العربية فليس كاتبها إلا حاطب ليل و هذه دلائل نقضها:

1. أن العرب استعملوا تكتيكا في غاية من العبقرية الحربية و التخطيط السليم ، فإستغلوا كل جانب ضعف للوجود البرتغالي في عمان.
2. من المفهوم أن البرتغال يجددون الذخيرة بإعتبارهم جيشا منظما ، فلا حاجة للإشارة من قبل التاجر الهندي.
3. أن تبديل الذخيرة لا يتطلب أن تخلو الحاميتان من ذخيرة جديدة و ذخيرة قديمة ، فليس هنالك مانع أن تدخل الذخيرة الجديدة و ترمى القديمة في البحر الذي يطل عليه الحصنان.
4. المعروف أن مخازن الذخيرة موجودة في عهد البرتغال بالحصنين كليهما.
5. عندما إنتصر العرب على البرتغال في صحار و في لوى و في صور و في كل المدن التي إستولوا عليها لم يحتاج الأمر إلى مثل هذه الإسطورة و قد كانوا هنالك أقوياء و كان العمانيون في طريقهم إلى القوة.
6. أن الرواية تعود فتقول أن البرتغال إنشغلوا ليلة الهجوم بالسكر و ما إلى ذلك ، و لذلك تمكن العمانيون من دخول الحاميتين. فما العلاقة بين تجديد الذخيرة و بين تفرغهم للسكر ؟ ثم أن الهجوم على الحصن قد وقع ليلا و إستمر كما علم القارئ أياما.
7. أن ما وقعت عليه من مصادر تاريخية تشير إلى معركة كبيرة وقعت على أسوار المدينة بحيث تهدمت تلك الأسوار و أعاد الإمام بناءها من جديد ، فأين عنصر المفاجأة للحامية أو المكيدة و الإحتيال و قد بدأت المعارك في ضواحي المدينة ثم اقتربت شيئا و شيئا من الحاميتين في قلعتي الجلالي و الميراني.

و ليس هنالك من علاقة إلا الخلط في تعريض أسباب هذا النصر الكبير الذي خرج به جيش أول موجة للإستعمار في بلاد العرب و المسلمين ، و الواقع أن البرتغال لم يفاجأوا بهجوم العمانيين ، فقد إجتمع جيش الإمام قبل الهجوم في سيح الحرمل و هو مكان يبعد عن مسقط بستة كيلومترات ، أي على مسمع و مرآى من البرتغال. و لعل السبب الأكبر في هزيمة البرتغال هو وجود طرفين ، طرف يحارب عن وطنه و مبادئه و قداسته ، و طرف يحارب عن أطماعه و إستغلاله و طغيانه.

و مهما كان الحال ، فقد كان جيش الإمام أكثر نبلا و رأفة من البوكرك قائد البرتغال الأول الذي علم القارئ عما إرتكبه من فظائع في الخليج العربي.

لم يكتف الإمام بإخراج البرتغال من عمان ، بل أراد أن يمنع أي محاولة منهم للعودة و أن يقضي على نفوذهم في البحر العربي. فقد أرسل حملات بحرية لمحاربتهم ، فهاجم شاطئ (الكجرات) بالهند و عاد جيشة بكثير من الذخائر و الغنائم ، و أمن الخطر الخارجي.

و أرسـل سكان ممباسة بأفريقية الشـرقية إلى الامام سلطان يطلبون مسـاعدته للتخلص من البرتغال ، فأرسل الإمام جيشا حاصر ممباسة خمس سنوات حتى سلمت له الحامية البرتغالية ، و غادرت ممباسة و عين الإمام الشيخ محمد بن مبارك واليا ، غير أن البرتغال أعادوا الكرة ثانية فأجلوا العرب و إنتقموا من سكانها ، و لكن العمانيين عادوا بعد ذلك كما سيرى القارئ.

و بالإضافة إلى حملاته على البرتغال و إحتلاله لمراكزهم الواقعة على المحيط الهندي ، فقد إنضمت إلى حكمه منطقة ظفار الواقعة جنوبي شبه الجزيرة العربية ، و قد إنشغل في أواخر حكمه بالإصلاحات الداخلية ، فأمن الري في أجـزاء البلاد ، و من ذلك بناؤه جـدول البركة في ضـواحي مدينة إزكي ، كما بنى قلعة نزوى المشهورة التي قدرت تكاليفها 80 ألف دولار في ذلك الوقت ، و شجع التجارة و أرسل وكلاء تجاريين إلى الأقطار المختلفة ليحصلوا على السلاح و الخيول.

و في عهد الإمام سلطان نقف على أول خطوة من إتصال الإنكليز بمسقط ، ففي عام 1659 م وصل إلى مسقط الكولونيل ريتش فورد مندوبا عن شركة الهند الشرقية ليفاوض الإمام سلطان في إستفادة التجارة من حرية ميناء مسقط ، فتلجأ إليها سفنهم و تكون مخزنا لبضائعهم. و هنالك سببان لإنتباه الشركة إلى عمان أولهما تدهور شؤون شركة الهند الشـرقية في الهند بينما الهولنديون يتقدمون ، غير أن كرومول ساعدهم في تقوية نفوذهم المادي فحاول رئيس الشركة المستر وش أن يضمن له سوقا جديدة و مركزا هاما في الخليج ، و لم يكن ليستطيع ذلك و البرتغال تملأ قلاعهم مدينة مسقط ، فحالما إنسحب البرتغال حسب أن الجو صفا له فأرسل مندوبا إلى الامام و هذا هو السبب الثاني.

و قد جاء المستر فورد إلى مسقط فتطاول في عروضه ، إذ طلب إستئجار المدينة و قلاعها و تكفل بحمايتها عن الإمام بالإضافة إلى خزنه البضائع و إستفادته من حرية الميناء ، و لكن جواب الإمام كان حاسما ، إذ قال: ( لقد كانت للبرتغال هنا حامية فحاربناها ، فكيف نوافقكم على حامية أخرى أجنبية ، ثم أن من أخرج البرتغال بما يملكون من قوة كبيرة جدير بأن يحمي بلاده ، و عاد المندوب فاشلا حتى من ناحية حرية الميناء و خزن البضائع. و لكن الإنكليز تمكنوا من جعل بومبي مخزنا لبضائعهم في الخليج و بحر العرب و كانت تعرف عند العرب بكولابا.

و قد توفى الإمام سلطان بمدينة نزوى في 16 ذي القعدة عام 1091 هـ بعد أن حكم أربعين عاما بالفخر و الإصلاح و الإعتزاز ، فعم الإزدهار في عهده فإنتعشت التجارة و تفرغ الناس للتعمير.

يتبع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الثالث ... دولة اليعاربة

8- الإمام بلعرب (أبو العرب) بن سلطان
__________________
سأعيش رغم الداء و الأعداء *** كالنسر فوق القمة الشماء
أرنو إلى الشمس المضيئة هازئا *** بالسحب و الأمطار و الأنواء
لا أرمق الظل الكئيب ولا أرى *** ما في قرار الهوة السوداء


"أبو القاسم الشابي"
رد مع اقتباس
  #43  
قديم 13-06-09, 01:37 AM
باحث في التاريخ
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 2,507
افتراضي

تابع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الثالث ... دولة اليعاربة

8- الإمام بلعرب (أبو العرب) بن سلطان


بويع بالإمامة أثر وفاة والده ، و قد كان همه الاستقرار الداخلي و نشر العلم في البلاد ، دفعه إلى ذلك وصول عالم مغربي هو الشيخ عمر بن سعيد بن محمد بن زكريا الجربي ، فنصح الإمام بفتح المدارس و تشجيع مجالس العلم ، فاندفع الإمام إلى ذلك بحيث أنه كان يزور الطلبة و يتفقد دراساتهم و يقدم الهدايا ، كما خصص لهم رواتب ، و قد بنى حصن جبرين على أطلال برج قديم و يقع في بهلا و فتح به مدرسة كبرى كان الطلبة يتلقون فيها دراساتهم العالية في الديانة و اللغة و الأدب. و أشهر الطلبة الذين تخرجوا في الأدب من هذا المعهد راشد بن خميس الحبسي و خلف بن سنان الغافري و سعيد بن محمد بن عبيدان. و حصن جبرين هو ثالث بناية يشيدها اليعاربة و بني بطريقة هندسية بارعة بحيث لو دخله غريب ما عـرف طريق الصـعود إلى أعلاه ، و قد نقشـت جـدرانه بزخارف منوعة ، وصفه أحد مشاهديه علي بن ناصر الريامي فقال: "إن نظرت إلى سـقفه قلت أنها خير من صنعة جدره ، و أن رأيت جدره قلت ههنا الصنائع العجيبة ، و فيه من النقوشات و التصاوير ما لا يحصى و لا يوصف ، و مكتوب فيه آيات من القرآن ، و يرى في بطن مشاكيه و في بطن الجدر سفتج (أي نفق) يدور في الجدار ما دار (أي حول) الحصن". و القول هذا على إيجازه دليل على معرفة العمانيين لفن العمارة و الهندسة ، و قد أدخل إليه نبع خاص ليكفل الماء عند الحصر. و قد سما الشعب الإمام أبا العرب لما عرف عنه من حسن خلق و حب للإصلاح.

غير أن الإمام بلعرب واجهته المشاكل من ناحية أخيه سيف الذي أخذ يدعو إلى خلعه و عدم صلاحيته للحكم ، و وجد كثيرا من المؤيدين و بالأخص في مدينة نزوى ، و لم تورد المصادر التاريخية أي سبب لذلك ، بل أن القارئ يفاجأ بهذا الخلاف و هو يتتبع عهد البناء و الإستقرار الذي إتسمت به فترة حكم بلعرب ، و إذا كان لي رأي أبديه حول الخلاف بين الأخوين هو أن نقل العاصمة من نزوى إلى جبرين هو سبب التأييد الذي حصل عليه سيف ، فإن بلعرب حالما أحس بالشقاق إتجه إلى نزوى و لكن أهلها منعوه من دخولها و صمدوا له ، فإضطر إلى الرجوع إلى جبرين ، و الظاهر أن بلعرب كان شخصا مسالما يكره الحرب ، فالباحث يستغرب أن يرتد عن نزوى و هو الإمام القوي ثم يفتح المجال لأخيه أن يسيطر على كل المدن و يبقى هو بحصنه في جبرين ، و لا أستبعد أن يكون الحال كثورة بغداد على المأمون عندما إختار مرة عاصمة له ، و كان سيف شخصية قوية بحيث إستطاع أن يرهب أعيان البلاد و يرغمهم على تأييده ، كما إستطاع أن يكسب تأييد كل المقاطعات عدا مدينة جبرين أو (يبرين) ، فإتجه إليها و أخذ يقصفها بالمدافع و أخوه الإمام صابر في حصنه ، و لكن الله إختار بلعرب فتوفى فجأة ، و أقبل رجال الحصـن إلى سـيف ينبئونه بوفاة أخيه فإتهمهم بقتله ، و لكنهم أقسـموا و طلبوا من سيف أن يفحص جثة الإمام ليتأكد من عدم وجود أثر يدل على ذلك ، فذهب سيف إلى الحصن و غسل أخاه و كفنه و دفنه داخل الحصن و ذلك عام 1104 هـ بعد أن حكم ثلاثة عشر عاما.

و كانت في جبرين إمرأة عالمة تسمى الشيخة بنت راشد ، وقفت في وجه سيف تحذره من عدم ممارسته سلطة الإمامة ، و الغريب أن سيف الذي قاوم أخاه و أجبر كل من خالفه على الإعتراف بإماميته عجز عن الوقوف في وجه هذه المرأة ، فذهب إليها يجادلها في ذلك ، و لكنها أصرت و جمعت علماء جبرين ، وكاد علماء الدين خاصة أن يرجعوا عن مبايعة سيف بل أنهم أعلنوا أن إنتخابه السابق باطل و لابد من إنتخاب إمام جديد.

و أخذت بنت راشد على عهدتها مهمة حل المشكلة ، فدعت العلماء و الأعيان الذين إجتمعوا في جبرين و شاورتهم في الأمر بعد أن تركت سيفا يتخلى عن الإمامة يومين ثم دعته إلى مجلس العلماء و عقد عليه المجتمعون الإمامة من جديد.

و لم يكن لسيف أن يتقبل هذا الإنتظار بعد أن حاصر أخاه و إحتل بعض الحصون بالقوة ، و لكن قوة العقيدة في أنه يجب أن يعقد له عقد الإمامة و أن لا يخرج عن رأي الجمهور جعله يتخلى وقتا قصيرا ريثما يتم حوله إتفاق و هذا ما حدث.

و المؤرخ ينظر إلى هذه الفترة و قد ملأ عينه بأحداث الماضي التي حرمت البلاد من الإستقرار ، فيرى حكم بلعرب واحة يستظل بها نشء الجهاد ضد المستعمر البرتغالي ، فيتعلمون و يزرعون و يبنون ، و أعتقد أنه لو إمتد حكم بلعرب لشهدت عمان نهضة علمية كبيرة ، و لكن مجيء سيف جعلهم حملة رسالة النور إلى أفريقية و حرمهم من التمتع بالإستقلال البناء في أرض الوطن.

يتبع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الثالث ... دولة اليعاربة

9- الإمام سيف بن سلطان
(قيد الأرض)
__________________
سأعيش رغم الداء و الأعداء *** كالنسر فوق القمة الشماء
أرنو إلى الشمس المضيئة هازئا *** بالسحب و الأمطار و الأنواء
لا أرمق الظل الكئيب ولا أرى *** ما في قرار الهوة السوداء


"أبو القاسم الشابي"
رد مع اقتباس
  #44  
قديم 13-06-09, 02:45 PM
باحث في التاريخ
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 2,507
افتراضي

تابع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الثالث ... دولة اليعاربة

9- الإمام سيف بن سلطان
(قيد الأرض)


دانت عمان جميعها لسيف و صحت إمامته لدى الجميع ، و كأنما كان يهدف إلى تخطيط موضوع سعى إلى الإمامة من أجله ، فهو مدرك أن الأعداء يحيطون به ، و هم لن يتركوا عمان تعيش في هدوئها و طمأنينتها التي أرادها أخوه بلعرب ما لم تكن حصينة الجانب تجابه الأعداء بمثل سلاحهم و تحمي حدودها بقوة و منعة ، فكان الهولنديون في بندر عباس و لنجة يتربصون بعمان ، و لم يكن الفرس أقل منهم رغبة في ذلك ، و كان البرتغال في الهند يرقبون الفرصة السانحة للإنتقام عن هزيمة مسقط و للعودة إلى الخليج العربي تتهادى فيه سفنهم سيدة مطاعة ، و كان الإنكليز ممثلين في شركة الهند الشرقية ببومبي و في مصنع الأسلحة في بندر عباس يرقبون الوضع كالثعلب المستضعف في جحره ، و عمان بين هؤلاء الأعداء جميعهم تعيش بشعب قليل العدد نسبة إلى أعدائه ، و ليس من ملجأ لهم للمناصرة إلا الدولة العثمانية التي أهملت هذا الجانب بعد هزائمها مع البرتغال ، فوجد الإمام أن عليه واجبا كبيرا و أن المهمة شاقة. و أن التعليم الذي إختطه بلعرب و الإصلاح الداخلي الذي بدأه لا يزدهر إلا إذا سدت الثغرات و قطع دابر العدو. و وجد أيضا أن حدود عمان البحرية مكشوفة لا يحفظها إلا إسطول كبير ، فصمم على بناء سفن ضخمة تنافس سفن البرتغال و يقابل به قراصنة الإنكليز الذين سلبوا إحدى سفنه في البحر الأحمر بقيادة القرصان أفوري.

إعتمد الإمام في بناء سفنه على الهنود في سورت و أهل ديكار ، و إشترط أن تحمل السفن الكبرى سبعين مدفعا ، و أن لا يقل ما تحمله أصغر سفينة من المدافع عن عشرين مدفعا.

و قد أطلق الإمام على كل من هذه السفن أسماء ، و كان أكبرالسفن الملك و الفلك و كعب الراس و الناصري و الوافي ، و قد زودت بالمدافع كما ذكرت طول المدفع 300 شبر و عرض قاعدته ثلاثة أذرع و علو المركب سبع قامات (14 متر) غير القل (السارية) ، و قد جمعها الشاعر محمد بن صالح المنتفقي الذي كان يسكن رأس الخيمة في مرثاته للإمام سيف:

الملك ثم الفلك ثم الناصـري *** مع كعب الراس كالجبال الراسية

و قد كان يعزز هذا الأسطول جيش بري من الفرسان و المشاة بلغ عدد فرسانه تسعين ألفا ، و صف ذلك الشاعر راشد بن خميس الحبسي في قصيدة له:


أن تسألني عن الخيل التي ملكت *** يداه سلني فإني عارف فهم
تسعون ألف حصان من كرائمها *** غير الرماك فما في قولنا وهم
فالكمت منهن و الشقر الكرام و منها *** الشهب و البلق و الغربيبة الدهم
كريمة عودت أمر الحـرب فـما *** يغبي عليهن إلا النطق و الكلم

و بعد أن أنهى الإمام سيف إستعداده إتجه إلى مطاردة البرتغال في الهند و أفريقية الشرقية ، فأرسل إسطوله إلى جوا غرب الهند و إحتل ميناء دامان ، ثم دخل سلسيت و عاد الإسطول بألف و أربعمائة أسير برتغالي ، و لكن البرتغال لم يمتنعوا عن الكيد للقوة العربية ، فأرسل الإمام إلى مراكزهم في بارسالور و ماتعالور بالهند إسطولا عام 1695 م قصف المينائين و عاد بعد حملته التأديبية هذه ، و لكن البرتغال لم يكفوا عن مكائدهم فقد علم الإمام أنهم يحاولون الهجوم على مسقط بالتحالف مع الفرس في بندر عباس و ذلك عام 1696 م ، فأرسل حملة لتدمير مصنع ماتعالور فنجحت في ذلك و قضيت على كل نشاط للبرتغال في هذه المدينة ، و أنذر الإمام بعد ذلك هولندا و البرتغال و الإنكليز أنه مستعد لتأديب كل دولة أوروبية تتفق ضده مع الفرس ، و قد أبلغه الإنكليز عن مسالمتهم في حين كان البرتغال يتلقون الضربات ، أما الهولنديون فقد قنعوا بمراكزهم في بندر عباس و التستر بالفرس.

صمم الإمام أن يضرب البرتغال في مستعمراتهم بأفريقية الشرقية ليقضي على قواهم و لينتقم للعمانيين عن الجرائم التي إقترفها البوكرك أثناء دخوله شواطئ عمان. تحرك إسطول الامام إلى ممباسة و هي ميناء كينيا – بلاد جوموكينياتا - فحاصرها مدة سنتين ثم سلمت حاميتها و دخل العرب أول ثغرة في شرقي أفريقية لينشئوا فيه نفوذا عربيا شاء الله له أن يصل إلى تلك الزوايا المظلمة من القارة الأفريقية في عهد ضعفت فيه كل العرب بمراكز قوتهم و أصبحوا أمة يستعمرها العثمانيون ، و لم يكتف قائد الإسطول بإحتلال ممباسا بل إتجه جنوبا ، فإحتل زنجبار و بيمبا و بته و كيلوا ، و قد إستقبله الأهالي إستقبال المنقذ من إستعمار البرتغال ، و عين الإمام لهذه المنطقة حاكما من قبله هو الشيخ ناصر بن عبدالله المزروعي ، و ترتب على ذلك أن هاجر كثير من عرب عمان إلى هذه السواحل و نشروا بها الدين الإسلامي الحنيف و أدخلوا عليها الطابع العربي.

بعد أن إستتب الأمر للإمام في شرقي أفريقية عادت بعض قطع الإسطول إلى مسقط ، فقرر قيد الأرض - و هذا لقب الامام بعد إنتصاره في أفريقية – أن يؤدب البرتغال و يقطع مؤامراتهم مع الفرس ، ففي عام 1699 م أرسل قطعا إلى سلسيت و أنزلوا قواتهم في برسونا ، فهرب البرتغال إلى بومبي طالبين مساعدة الإنكليز ، و لكن هؤلاء آثروا عدم التدخل مظهرين للإمام الصداقة و إكتفاءهم بملاحظة شؤونهم التجارية "ليس غير". و يذكر مايلز و هو مؤلف كتاب " قبائل و تاريخ الخليج العربي" واصفا عمان بعد إنتصارها في أفريقية الشرقية و الهند ما نصه: (في بداية القرن الثامن عشر كان الأسطول العماني سيد المحيط الهندي جميعه ، فمنذ أن طردوا البرتغال أصبح البحر العربي يدار من قبلهم ، و ما كان بإستطاعة أي سفينة أن تتحداهم فيه ، و قد تأذى البرتغال و الفرس خاصة مما وجهه العرب على تجارتهم من عرقلة أتت من تملكهم بجرأة للمحيط جميعه).

و نتيجة لظهور هذه القوة العربية في المنطقة إتصل ملك الفرس بالإنكليز عارضا عليهم عقد حلف بينه و بينهم ، كما أرسل مندوب منه إلى هولندا للإتفاق على مقاومة الإمام ، و أخبره أن هذا الإتفاق سيكون بمشاركة الإنكليز في القضاء على قوة العرب ، و أنه سيقوم بإرسال مندوب إلى إنكلترا ، على أن هذا التحالف لم يكتب له التوفيق نتيجة للتنافس بين الإنكليز و الهولنديين لإحتواء المنطقة و لنشوب الحرب في أوروبا ، كما أن الأسطول الإنكليزي سيقوم بدور المراقب المساند ، و نتيجة لذلك إمتنع الشاه عن إرسال رسوله (ميرزا ناصر) و قنع بإتفاقه مع الطرفين و إحتمائه بالهولنديين في بندر عباس جهرا و بالإنكليز سرا.

و لكن الإمام علم بهذه الإتصالات فأخذ يضايق الإنكليز خاصة في سفنهم بالخليج و المحيط ، فأخذ أسطوله يوقف السفن الإنكليزية و قبض على بعضها كسفينة الكابتن موريس التى صودرت و أقتيدت مع بحارتها و ربانها الى مسقط ، و كسفينة الكابتن مورفيل التي حاصرها العرب على مياه كلكتة و إقتادوها إلى مسقط مع مبلغ كبير من المال ، و أصروا على عدم إعادتها إلى شركة الهند الشرقية ، فلم يسع حاكم بومبي إلا السكوت و إنتظار إنتهاء الحرب في أوروبا ليقوم مع حليفيه إيران و هولندا لمحاربة إمامة عمان.

و بجانب هذه المنعة الخارجية للإمام سيف فإنه لم يهمل البلاد داخليا ، فكانت الحالة الإقتصادية في أوجها ، فتطورت تجارة عمان في عهده و إمتدت إلى سواحل الهند و مجاهل أفريقية و شواطئ البحر الأحمر و الخليج العربي ، و قد أجرى في عمان الينابيع ، فبلغ عدد ما شقه من ينابيع سبعة عشر ينبوعا (أو ما يسمى في عمان فلجا) أشهرها المسفاة بالرستاق و الحزم بمدينة الحزم و الصائفي و فلج الهوب و أفلاج جعلان ، و إهتم بالزراعة فجلب أشجار النارجيل (جوز الهند) من زنجبار ، و غرس في مدينة بركاء ثلاثين ألف نخلة ، و عمر مدينة المصنعة ، كما أنه عمر مدينة مسقط فزادت رقعتها في عهده ، و قد أشار ذلك تاجر إنكليزي إسمه لوكر جاء الى مسقط عام 1705 م فقال: ( أن العرب حسنوا حالة المدينة ، و حصنوا قلاعها بعد إستعادتها ، و كانوا مصدر الرعب لتجار الهند ، و كانت أوسع سفنهم تحمل سبعين مدفعا و ما بها واحدة تقل عن عشرين). و كانت الخزانة في عهده غنية بالذهب و الفضة و ذلك دليل على حيوية الإقتصاد رغم ما خاضه من معارك.

و توفى الإمام سيف عام 1123 هـ لثلاث ليال خلت من شهر رمضان بعد أن حكم تسعة عشر عاما ، و ذلك إستنادا إلى مرثاة الشاعر العراقي محمد بن صالح المنتفقي الذي كان يسكن بالصير في رأس الخيمة:

في الليلة الغرا و ثالث شهرنا *** رمضان غابت شمسه المتلالية
و من السنين ثلاث مع عشرين من *** بعد إنقضاء الألف يعفوها مايه

يتبع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الثالث ... دولة اليعاربة

10- الإمام سلطان بن سيف بن سلطان
__________________
سأعيش رغم الداء و الأعداء *** كالنسر فوق القمة الشماء
أرنو إلى الشمس المضيئة هازئا *** بالسحب و الأمطار و الأنواء
لا أرمق الظل الكئيب ولا أرى *** ما في قرار الهوة السوداء


"أبو القاسم الشابي"
رد مع اقتباس
  #45  
قديم 14-06-09, 12:51 AM
باحث في التاريخ
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 2,507
افتراضي

تابع... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الثالث ... دولة اليعاربة

10- الإمام سلطان بن سيف بن سلطان


عقد له بالإمامة بعد وفاة أبيه بعد أن إجتمع جماعة من أعيان البلاد منهم ناصر بن خميس و ناصر بن سليمان و سليمان بن محمد و سعيد بن بشير الصبحي و عدي بن سليمان.

تولى الحكم و البرتغال في وجل من الأسطول العماني ، و الإنكليز يتربصون في بومبي ، و الهولنديون يشدون أزر شاه إيران ، و الفرس أنفسهم يترقبون الفرصة للتخلص من كابوس عرب عمان ، و لذلك نجد الإمام سلطان يتجه إلى إيران خاصة و يعتبرها وكر المؤامرة ضد عمان ، فأرسل إسطولا كبيرا لإسترجاع البحرين و طرد الفرس منها ، و كان أبو الإمام سيف قد ضم هذه الجزائر إلى شقيقتها عمان ، و لكن الفرس إنتهزوا إنشغاله بمحاربة البرتغال في شرق أفريقية فإغتصبوها ، و سار الأسطول على ثبج البحر العربي تتقدمه بارجة تحمل 74 مدفعا و سفينتان تحمل كل منهما 60 مدفعا و سفينة بها 50 مدفعا و 18 سفينة يتراوح عدد المدافع فيها بين 32 و 12 مدفعا و زوارق جهزت بمدافع صغيرة ، فإحتل هذا الإسطول و هو في طريقه إلى البحرين القسم و لاك و هرمز ، و عندما وصل البحرين إشتبك مع الفرس في معركة ضارية تمكن خلالها من النزول إلى البر ، و هنالك دارت معركة كبيرة بين الفريقين ساعد العمانيين إخوانهم أبناء البلاد ، فإنهزم العجم شر هزيمة و رحلوا من تلك البقعة العربية من الوطن الكبير ، و يصف لنا الشاعر راشد بن خميس الحبسي معركة البحرين فيقول:

ألا فانظروا كيف الأعاجم صـاروا غدوا شجرات ما لهن قرار
طغوا و بغوا في الأرض حتى أصابهم عقاب أليم مهلك و بتـار
فـحلت بهم من مالك الأمر نقـمة و سوء عذاب دائم و دمار
و قد ضـربت أعـناقهم بمـناصل كما خربت دور لهم و ديار
فصـاروا بها رغـم الأنوف كأنهم سماجح وحش عافهن عشار
و ليلة سـعد مـزق الليث ثـوبها كأن دجاها بالسيوف نهـار
تزاحمـت الأبـطال فيـها كأنما بها القوم سفن و الدماء بحار
فما زالت البحرين في ملك سـيد كـريم زكا فرع له و نجـار

و قد أمر الإمام ببناء قلعة بالبحرين ، و مازالت أطلالها قائمة حتى اليوم في عراد ، و مازال أحد مدافعه موجودا بها.

و قد إشتبك إسطول الإمام مع البرتغال في معارك عديدة ، فتمكن من حرق مصنع لهم في كنج ، و كبح كبرياء دوم لوير دي فريس الحاكم البرتغالي في جوا بالهند عندما أمر قائد أسطوله دوم لو بودا ألميدا بعرقلة سير الأسطول العماني ، فكان جواب الإمام بقصف الديو و الدامان و ذلك عـام 1716 م.

و عاشت عمان في عهده بأمان و رفاه و إطمئنان ، و قد بنى مدينة سماها الحزم و إتخذها عاصمة له.

توفى الإمام سلطان بن سيف في اليوم الخامس من جمادى الآخرة عام 1131 هـ ، و بوفاته ينتهي ذلك التاريخ المشرق لعمان ، و ينتهي عهد المجد و الرخاء الذي شاده أئمة اليعاربة ، فها نحن نواجه حروبا و إستعانة بالأجنبي و زوال تلك الامبراطورية.

يتبع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الثالث ... دولة اليعاربة

11- الإمام مهنا بن سلطان
__________________
سأعيش رغم الداء و الأعداء *** كالنسر فوق القمة الشماء
أرنو إلى الشمس المضيئة هازئا *** بالسحب و الأمطار و الأنواء
لا أرمق الظل الكئيب ولا أرى *** ما في قرار الهوة السوداء


"أبو القاسم الشابي"
رد مع اقتباس
  #46  
قديم 14-06-09, 03:05 PM
باحث في التاريخ
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 2,507
افتراضي

تابع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الثالث ... دولة اليعاربة

11- الإمام مهنا بن سلطان


بعد وفاة الإمام سلطان بن سيف الثاني تعرضت هذه الدولة القوية على شواطئ الخليج العربي و مهامة المحيط الهندي لخطر التفرقة و ما يقود إليه ذلك ، فقد أصر اليعاربة و سكان مدينة الرستاق على أن يخلف سيف بن سلطان أباه و هو ما يزال صبيا لم يبلغ الحلم ، في حين إجتمع غيرهم من أعيان البلاد على مبايعة المهنا أخيه يقودهم في ذلك القاضي عدي بن سليمان الذهلي.

و قد خرج أهالي الرستاق في مظاهرة كبيرة مصرين على إمامة سيف ، فقام بينهم عدي بن سليمان قائلا: ( أمامكم سيف بن سلطان أي قدامكم) رغبة منه في فل جموعهم ، فعاد هؤلاء يطلقون المدافع إستبشارا للصبي الصغير في حين أدخل عدي الإمام المهنا إلى حصن الرستاق و أعلن إمامته ، و أصر الأهالي على مبايعة سيف. و من هنا ترتب الخطأ ، فقد كان على عدي أن يصمد للجمع ، و أن يعلنها صراحة أن أمر الإمامة لا يقر في الرستاق فقط بل على أولي الأمر من كل مدينة أن يجتمعوا و ينظروا في إنتخاب إبن الإمام الراحل أو أحد إخوته أو أي فرد من الشعب كما ينص على ذلك نظام الإمامة ، فعليهم إن لا يقحموا أنفسهم و يفرضوا رأيهم و يعرضوا البلاد للخطر و الأعداء بها متربصون. فكان لجوء عدي إلى الخديعة و المجاملة سببا كبيرا فيما حصل من بعد ، فقد تفرقت الكلمة و تدهور أمر الدولة و أدى الحال الى أن يدخل العجم عمان ، و كانوا يستعينون بالإنكليز و الهولنديين و البرتغال ليحموهم من عرب عمان.

و إلى القارئ الكريم الصفحات السوداء من تاريخ فترة حكم اليعاربة بعمان بعد ذلك الإشراق الوهاج و الصرح الشامخ بالعزة و المجد.

بويع الإمام المهنا أزاء حنق أهل الرستاق و إصرارهم على أخيه الصغير سيف ، و قد كان العام الأول من حكمه عام إستقرار حمد الناس فيه سياسته الرشيدة ، فإزدهرت التجارة و إنخفضت الأسعار ، و لكن حزب سيف إستمر في إستعداده و إحتيال الفرصة للإنتفاضة ، فوجد يعرب بن بلعرب بن سلطان إستعدادا للثورة ، فما أن وجد له بعض الإنصار في مسقط حتى أعلن الثورة على الإمام المهنا و أخرج منها الوالي مسعود بن رمضان الصارمي ، و عندما علم الإمام بالخبر عاد من جولته بالظاهرة مسرعا إلى الرستاق ، و لكن أهاليها حاصروا مقر الإمامة و أعلنوا إنضمامهم إلى يعرب ، و قدم هذا إلى المدينة فإستقبل إستقبالا حارا في حين لم يجد الإمام المهنا من يسانده ، و بعد طول حصار سلم الأمر على أن يكون له الأمان ، و لكن يعرب خان عهده ، فقيد و عذب المهنا و من كان معه ، ثم أوعز يعرب إلى بعض خدمه أن يهجموا على المهنا في سجنه و يقتلوه هو و من معه ، فكان ذلك بادرة الدم و لسان الشر و شرارة الفتنة.

أعلن يعرب بعد ذلك إمامة سيف بن سلطان ، و أعلن نفسه قائما مقام الإمام الصغير فدانت له عمان جميعها عام 1133 هـ الموافق عام 1721 م.

و عاد عدي بن سليمان يلعب دور الضعف من جديد مسلما بالأمر الواقع فإستتاب يعرب عن قتله الإمام المهنا و خروجه عليه ، و عقد له الإمامة عام 1134 هـ ، و قد غاب عن بال القاضي أن الحركة تقوم على أساس إمامة سيف و أنها لا تقاوم بالحلول الوسط بل إعلان الرأي الصريح ، فكان عليه و هو يضع نفسه موضع القائد أن يعلنها صريحة عند محاصرة المهنا أو بعد التغلب عليه و يتمسك بنظام الإمامة لا أن يترك للخارج على الإمام قطف الثمار ، و لذلك نرى الثورة تقوم من جديد ، و يهب أهل الرستاق مرة ثانية مطالبين بالإمامة لسيف ، فوجدوا يعرب آخر و هو بلعرب بن ناصر خال المؤمم الصغير و كان يقيم بنزوى مع يعرب ، فخرج منها في السادس من شهر شوال عام 1134 هـ و إتجه إلى بلاد سيت و هنالك أيده بنو هناه و عاهدهم على "أن يطلق لهم ما حجره الإمام ناصر بن مرشد رحمه الله من البناء و حمل السلاح" ، و إتجه معهم إلى الرستاق فأعلنوا منها الحرب و حاصروا والي يعرب و أشعلوا النار في القلعة التي كان الوالي متحصنا بها ، فسبب ذلك وقوع حريق كبير ذهب ضحيته مائة و خمسون رجلا و كلف كثير من الكتب التاريخية و الدينية و اللغوية. و عندما علم يعرب بذلك أرسل جيشا بقيادة صالح بن محمد السليمي فوصل إلى العوابي و أحجم عن الوصول إلى الرستاق.

و الغريب إننا نجد الإتفاق للمرة الثانية بين مسقط و الرستاق ، فقد أيد والي مسقط حمير بن منير بن سليمان الريامي الثائر الجديد بلعرب بن ناصر و إنضم إليه و زحف على نخل و إحتلها بإسمه ، و ذهب قسم من جيشه بقيادة مالك بن سيف بن ماجد اليعربي إلى سمائل فإحتلها ، ثم إتجه الجيش إلى إزكي فإحتلها أيضا ، و على أثر ذلك خرج يعرب من نزوى و معه قاضيه عدي بن سليمان و دخل إزكي فإستقبله أهلها بالاكرام ، و طالب مالك بن سيف أن يترك حصن المدينة فأبى مالك ذلك و نشبت الحرب بين الفريقين ، و في اليوم الثاني من القتال جاءت النجدة لمالك من بني هناه و من أهالي الرستاق فتفرقت جيوش يعرب و عاد من إزكي إلى نزوى.

و مرة ثالثة يعود القاضي عدي بن سليمان إلى مجاملته فترك جيش يعرب و ذهب إلى الرستاق حيث يتمركز الثائرون ، و لم نجد ما يوضح سبب ذهابه أكان لنصحهم بعدم التفرقة أو لتدبير أمر نفسه و إن كان السبب الثاني هو أقرب إلى القبول ، إذ أن الظرف لم يكن مناسبا لأن يذهب مثله إلى الرستاق ، و مهما كان الأمر فقد قبض عليه الرستاقيون فصلبوه و القاضي سليمان بن خلفان ، ثم قتلا و سحبت جثتيهما في شوارع المدينة في اليوم التاسع من ذي الحجة.

أما جيش الثائرين فقد إتجه إلى العاصمة نزوى و حاصر جيش يعرب و أجبره على التسليم ، و وافقوه على الذهاب الى مدينة جبرين و الإقامة هناك على أن لا يسيئوا إليه ، و أعلن الثوار بقيادة زعيمهم علي بن محمد العنبوري (صاحب العنبور) من نزوى إمامة سيف بن سلطان.

إستقرت الحال لمدة شهرين إستجمعت البلاد خلالهما شيئا من الراحة و تنفست الصعداء بعد تلك الفتنة ، و لكن تلك الفترة في الواقع لم تكن إلا إستراحة المستجم و هرولة العداء ، فكان لطيش بلعرب بن ناصر (الوصي على سيف بن سلطان) فعل الشرارة في جو مشحون بالبارود. فقد دخل محمد بن ناصر بن عامر بن رمثة العطابي الشكيلي الغافري و هو من قادة القبائل المعروفين على بلعرب مهنئا و عارضا ولاءه ، و بدلا من أن يستقبله بحلم الحاكم تنكر له ، فأهانه بالتهديد و التعنيف و خرج محمد مغضبا و أزمع على الكيد لبلعرب ، فبدأ بمكاتبة يعرب (الإمام المخلوع) و أهل مدينة بهلا ثم رحل إلى الظاهرة ليتصل ببدوها و هنالك حالفته قبائلها.

تمكن محمد بن ناصر من إقناع يعرب بن بلعرب بالعودة إلى المطالبة بالإمامة و من جمع كثير من القبائل حوله ، في حين تمكن بلعرب بن ناصر (الوصي على سيف بن سلطان) من جمع عدد من القبائل أيضا و في طليعتهم بنو هناه ، فنشأ بذلك حزبان ، حزب محمد بن ناصر و سمي بالغافرية و حزب وصي الإمام و سمي بالهناوية ، و رئيس هؤلاء خلف بن مبارك الهنائي. و بذلك أصبحت عمان تعيش في ظل هذين الحزبين ، و إستمرت على ذلك ، و ما تزال قبائلها حتى اليوم مقسمة إلى "هناوي" و "غافري" ، و هي شبيهة "بعدنان" و "قحطان" عند أجدادهم العرب ، و لكن تختلف عن القديم بأنك تجد في حزب الغافرية مثلا قبائل قحطانية و عدنانية ، و هي كذلك في حزب الهناوية.

و من أشهر قبائل حزب الغافرية اليوم بنو ريام حيث يتزعم شيخ النبهانة رئاسة الحزب ، أما الهناويون فيترأس حزبهم شيخ قبيلة الحرث ، و يحسن أن نشير أن الظروف التي مرت بعمان بعد الحرب العالمية الثانية و حرب الجبل الأخضر قد آخت بين الحزبين و جمعتهما على الخير و الشر ، و جعلتهما يتناسيان الحزازات القبلية.

يتبع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الثالث ... دولة اليعاربة

12- و لنعد إلى الصفحة السوداء من تاريخ اليعاربة
__________________
سأعيش رغم الداء و الأعداء *** كالنسر فوق القمة الشماء
أرنو إلى الشمس المضيئة هازئا *** بالسحب و الأمطار و الأنواء
لا أرمق الظل الكئيب ولا أرى *** ما في قرار الهوة السوداء


"أبو القاسم الشابي"
رد مع اقتباس
  #47  
قديم 14-06-09, 03:57 PM
باحث في التاريخ
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 2,507
افتراضي

تابع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الثالث ... دولة اليعاربة

12- و لنعد إلى الصفحة السوداء من تاريخ اليعاربة



هجم يعرب بن بلعرب على نزوى في حين كان وصي الإمام بالرستاق ، و تمكن من إحتلال قلعتها و تبع ذلك إشتباكات بين أنصار القطبين في مدن إزكي و بهلا و منح ، و أقبلت قبائل المقاطعة الشرقية تؤيد الوصي ، و جرت المعركة الكبرى بإزكي إنتصر فيها حزب الوصي ، و بعد ذلك دارت معركة كبرى على أسوار نزوى قتل فيها قائد جيش الوصي مالك بن ناصر ، و بينما كان بلعرب على وشك النصر اذ أقبل محمد بن ناصر بمدد من بدو الظاهرة فتمكن من اختراق جيش الوصي و دخل نزوى مؤيدا يعرب ، ثم إتجه إلى الرستاق ليضرب سيف بن سلطان في مكان منعته ، و على أبوابها دارت معركة كبيرة قتل فيها زعيم أنصار إمامة سيف بن سلطان علي بن محمد العنبوري. و بعد أن تأكد للغافرية النصر جاء الوصي طالبا مصالحة محمد بن ناصر غير أن هذا أمر بأن يقيد الوصي و إنشغل بإخضاع الحصون التي كانت مؤيدة للوصي و آخرها مسقط و بركا فنجح في إخضاعها و أقام بالرستاق.

بينما كان محمد بن ناصر يقطف ثمار إنتصاره ، كانت المنون تنشب أظفارها في عنق إمامة يعرب بن بلعرب ، فتوفى في نزوى و أخفي نبأ موته ، و في هذه الأثناء كانت الإمدادات تتواصل من البدو لمحمد بن ناصر من بني قتب و النعيم و بني كعب ، و وصله أيضا من رأس الخيمة مطر بن إرحمة الهولي في خمسة آلاف مقاتل ، و لكي يدرك القارئ المأساة التي أدى إليها هذا الإنقسام أذكر له أن أهل الرستاق قد تفرقوا في الجبال خوفا و هلعا بعد إنتصار محمد بن ناصر ، و قد وجد بأحد الكهوف في جبال الرستاق مائة جثة لأطفال و نساء هربوا جميعا من ويلات المعارك ، فماتوا هنالك جوعا و عطشا.

يتبع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الثالث ... دولة اليعاربة

13- شخصية جديدة
__________________
سأعيش رغم الداء و الأعداء *** كالنسر فوق القمة الشماء
أرنو إلى الشمس المضيئة هازئا *** بالسحب و الأمطار و الأنواء
لا أرمق الظل الكئيب ولا أرى *** ما في قرار الهوة السوداء


"أبو القاسم الشابي"
رد مع اقتباس
  #48  
قديم 14-06-09, 04:01 PM
خاطـــر الحارة
 
تاريخ التسجيل: May 2009
المشاركات: 11
افتراضي

قال العلامه المحقق سعيد بن خلفان الخليلي ضمن قصيده طويله

فما في الدين هذا غافري,,,, ولا فيه هناوي يرامـي



شكرا للنسر ,,,, جعلك الله قطبا للتاريخ العماني
رد مع اقتباس
  #49  
قديم 14-06-09, 04:04 PM
باحث في التاريخ
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 2,507
افتراضي

تابع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الثالث ... دولة اليعاربة

13- شخصية جديدة


ظهرت الآن شخصية جديدة كان لها أثرها في هذه المعارك ، فقد كان خلف بن مبارك الهنائي المعروف بالقصير واليا على بركاء من قبل بلعرب بن ناصر الذي كان بمسـقط عند إحتلال الرسـتاق ، فأرسل محمد بن ناصر أحد رجاله (علي بن مبارك الحراصي) لقبض بركا ، و لكن خلف عاد مسرعا و تمكن من إلقاء القبض على الحراصي و قتله.

غضب الغافري لذلك فزحف في جيش كبير إلى بركا ، و من قادته إرحمة بن مطر في كتيبة من أهالي رأس الخيمة و حمد بن حماد القليبي و راشد بن عبدالله الكعبي و أحمد بن راشد الغافري و عدي بن سليمان الذهلي و محمد بن ناصر الحراصي فعسكر الجيش في المصنعة . و بدأ الإشتباك مع قزع الدرمكي أحد أنصار خلف و من أعداء إرحمة بن مطر فقتل قزع و إنهزم صحبه ، ثم إتجه إرحمة إلى بركا ، فدخل الحفري إحدى ضواحيها ، و تبعه جيش الغافري ، و دارت معركة كبيرة بين الفريقين إنسحب خلالها خلف إلى الحصن ، و دخل أعداؤه المدينة ، كما حاصروا مدينة السيب و قطعوا طريق الهرب على خلف بأن حاصروا المنافذ إلى السيب و بوشر ، و لكن خلف خرج بحرا إلى مسقط. و عندما طال حصار الغافري و صحبه لحصني بركا و السيب دون جدوى مدة أربعة أشهر عاد إلى الرستاق حيث أصيب بالجدري ، و بعد أن عوفي خرج إلى الظاهرة تاركا حصن الرستاق في يد محمد بن ناصر الحراصي يناصره الجيش القادم من بهلا ، و إصطحب الغافري معه سيف بن سلطان و إستقر بمدينة مقنيات على مشارف الظاهرة و منها دعا القبائل لمقابلته ، فإجتمع منهم اثنا عشر ألفا و استجابت له قبيلة بني ياس ، ثم إتجه بالجميع إلى ينقل و إقتتل مع قبيلة بني بو علي ، و خسرت هذه القبيلة رئيسها سليمان بن سالم و خسر الغافري من كبار رجاله سالم بن زياد و سيف بن ناصر الشكيلي و محمد بن ناصر القيوضي ، و قد اضطرت قبيلة بني بو علي إلى التسليم بعد معارك حامية أدت إلى إستسلام السليف و تنعم و صالحته أيضا قبيلة المناذرة.

و بينما كان محمد بن ناصر مشغولا بحروب الظاهرة كان خصمه خلف يجمع عدته للإنتقام ، فهجم على الرستاق و دخلها بعد قتال شديد ، و واصل سيره إلى مدينة نخل فدخلها و طرد منها جاعد بن مرشد والي الغافري ، و دخل حليفه سباع العموري مدينة صحار و إتجه إلى الحزم ، و لكن واليها عمر بن مسعود الغافري قاوم بثبات بحيث إستطاع أن يشغل جيش خلف بمحاصرته ليعود محمد بن ناصر الغافري ثانية إلى الرستاق فيحتلها ، و إتجه منها إلى الحزم و أحاط بجيش خلف ، فتفرق الجيش و إختبأ خلف ثانية عند أحد أصدقاءه.

إتجه الغافري الآن إلى مركز بني هناه و هي مدينة بلاد سيت ، فطلب منهم المواجهة فرفضوا ، و جرى بينهم إشتباك قتل فيه كثير من رجال بني هناه ، ثم هجم الغافري على العارض و الغمر ، و عاد بعد ذلك إلى نزوى و أجبر أهل منح على طاعته و ذهب مرة ثانية إلى الظاهرة.

ظهر خلف الآن من جديد ، فهجم على نخل إنتقاما من أهلها لأنهم أخرجوا واليه و ساعدته قبيلة المعاول في ذلك.

وجد بني هناه أن الغافري تعقبهم ، و أن لابد لهم من تحالف مع إحدى القبائل ، فخرج سعيد بن جويد من الغافات إلى ينقل ليكسـب ود بني بو علي ، و إجتمعت القبائل اليمانية على محاربة الغافري ، و إلتقى الفريقان عند الغافات ، و دارت بينهم معركة كبيرة قتل فيها سعيد بن جويد و شدد الحصار على الغافات ، فصبر أهلها على الضر منتظرين نجدة خلف لهم ، و عندما أيسوا من ذلك صالحوا قائد الغافري مبارك بن سعيد ، و بعد هذا جاء دور المنطقة الشرقية التي لجأ إليها خلف و دارت بين قبائلها و بين الغافري معارك كبيرة أدت إلى إنتصار الغافري ، أما خلف فقد إتجه برا مستنجدا بقبيلة الحرث ، و لكن خصمه تبعه و أجبر الحرث على عدم إيوائه ، فذهب خلف إلى مسقط في حين ذهب الغافري إلى نزوى.

و في نزوى جمع رؤساء القبائل و طلب منهم أن يعذروه من تولي الأمر ، و أن يعينوا أحدا مكانه ليقوم كوصي على سيف بن سلطان ، الذي أمر أهل الرستاق أن يبقى إماما. و لكن الشيخ عبدالله بن محمد بن بشير بن مداد وجد أن الغافري هو الشخصية القوية بعمان ، و أن الإمامة يجب أن تكون له بعد ما مد نفوذه بكل أنحاء البلاد ، فأعلنت إمامته ليلة السبت في السابع من محرم عام 1137 هـ الموافق 1725 م ، و قيل أنه أكره الناس على بيعته ، و أرى ذلك صحيحا خاصة و أنه تجوز المبايعة بالإمامة لمن لا يكون أهلا لها إذا وجد أن في مبايعته دفعا لعدو ، و أن غيره لا يقوم مقامه و قد خاض حروبا داخلية عديدة.

و جدير بنا أن لا ننسى خلف بن مبارك الهنائي ، فما زال مرابطا بمسقط يتحين الفرص ليثور ضد خصمه ، و كان محتفظا بمراكزه في مسقط و مطرح و بركا و صحار و بلدان المعاول ، و كان محمد بن ناصر قد تمكن من الإستيلاء على صحار ، و خشي خلف بن مبارك أن يتسع نفوذه ، فلجأ إلى حيلة للتفريق بين أنصار الغافري ، حيث أوعز إلى أحد أهالي صحار بأن يدعي أن قوما من جند الغافري قد عاثوا بزرعه ، فحاول الغافري أن يعوضه عنه بدراهم ، فرفض إلا أن ينصف له ممن ظلموه ، و أنهم بذلك قبائل بني ياس و النعيم ( و القبيلة الأولى تحكم أبوظبي و دبي الآن و الثانية تحكم عجمان).

أرسل الغافري إلى شيوخ القبيلتين فصلبهم (أي و بخهم بقوة) ، ثم أمر بجلدهم و هم يذكرونه بما أدوه له من خدمات ، و لكن محمدا عرفت عنه الشدة فيما يتعلق بحقوق الناس. و بعد هذه الحادثة قررت القبيلتان و حلفائهما الإنفصال عن الغافري ، فخرجوا ليلا و بذلك خسر الجيش اللجب منهم.

و في صباح ذلك اليوم فاجأه غريمه خلف بهجوم عنيف ، و خرج الغافري ينازل خصمه فإصابته رصاصة أودت بحياته ، كما قتل خلف أيضا ، و بذلك لقي الغريمان مصرعهما في معركة حقيقة لا تقاس بما تقدمها من معارك.

و لم تنته أيها القارئ تلك الحال التي إعتورت عمان و شوهت تاريخها بعدما سطر اليعاربة بحروف من ذهب تاريخ مقاومتها للإستعمار الغربي ، أجل لم تنته هذه الحال ، فها نحن نجد يعربيا يسـتعين بالعجم ، و نجد عمان تعاني وطأة الإحتلال من جديد.

يتبع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الثالث ... دولة اليعاربة

14- سيف بن سلطان كبيرا
__________________
سأعيش رغم الداء و الأعداء *** كالنسر فوق القمة الشماء
أرنو إلى الشمس المضيئة هازئا *** بالسحب و الأمطار و الأنواء
لا أرمق الظل الكئيب ولا أرى *** ما في قرار الهوة السوداء


"أبو القاسم الشابي"
رد مع اقتباس
  #50  
قديم 14-06-09, 11:12 PM
باحث في التاريخ
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 2,507
افتراضي

تابع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الثالث ... دولة اليعاربة

14- سيف بن سلطان كبيرا



كان سيف بن سلطان اليعربي يلازم محمد بن ناصر في كل تنقلاته ، و قد دخل حصن صحار بعد مقتل الغريمين ، ثم إتجه إلى معقل قوته الرستاق ، و إتجه منها إلى نزوى حيث بويع بالإمامة ، و عقد عليه ذلك الشيخ ناصر بن سليمان بن مداد الناعبي يوم الجمعة في أول رمضان عام 1140 هـ (1727 م) ، و عاد التنافس مرة ثانية بين بلعرب بن حمير اليعربي و الإمام الجديد ، و كان الأول بمدينة البزيلي في منطقة الظاهرة فبايعه أهل الظاهرة جميعا بالإمامة ، فإتجه إلى سمائل و طالب أهلها بالخضوع إليه فرفضوا ، و أخذ يحطم أشجارهم و يدمر ينابيعهم ، إلا أن سيف بن سلطان بعث أخاه بلعرب في جيش كبير لمساندة أهل سمائل ، و لكن بلعرب بن حمير تمكن من صده و الإستيلاء على المدينة ثم إتجه إلى بلاد سيت فإحتلها و منها إلى جبرين.

أدرك سـيف أن خصـمه قوي فقرر أن يعزز جيشـه ، و لكن الرأي أخـطأه إذ أنه إتجه إلى البلوش ، فأرسل مندوبا عنه إلى مكران لجلب جنود مرتزقة من البلوش ، و كان بلعرب قد وسع سلطته إلى مقاطعة الجو ، و على حدودها دارت معركة كبيرة إنهزم فيها سيف ، و لم يبق من جيش المرتزقة إلا القليل ، و عند هذا قرر سيف الإستعانة بالعجم ، و كانوا يترقبون ذلك فكيف يتركون الفرصة ، و إستقبل سيف مندوبهم في مدينة مسقط و إتفق معهم على إحضار الجيش الإيراني الذي وقف متربصا بأجداده عندما ظهرت قوتهم ، فأخرجوا المسـتعمر من بلادهم و طاردوه في كل مراكزه ، فكان حفيدهم لسوء الحظ صديق المتربص و حليف الحقود ليحارب بهم إبن عمه ، و يقتل بسلاحهم أبناء شعبه.

أقبل جيش العجم في سفنه و نزل خورفكان و منها واصل سيره إلى عمان الداخل ، و قد أثبت المؤرخ إبن رزيق وثيقة تعبر عن رأي الشعب العماني في ذلك و تحديه لهذا المؤمم الفاشل صغيرا كان أو كبيرا. فقد تلقى رسالة جاء فيها: (لقد صدرت أحاديث بإسناد عن أصحابنا بناحية الشمال فشق على المسلمين علينا و عليكم من يمين و شمال فقلوبهم لأجلها وجلة و أنفسهم منها معولة بأن بعض العجم وصلوا بمن معهم من سفهاء قومهم إلى فكان ، فزخرفت لهم نفوسهم ما زخرفت و زين الشيطان أعمالهم حتى هموا بما ينالوا) ... و تضيف الرسال: (فسبحان الله أنت نائم أم يقظان أم إستولى على قلبك الشيطان أم لك حجة على المسلمين أم سلطان ، أنى لك أن تتولى قوما غضب الله عليهم ، أجهلت أم علمت ففعلت بما حل منكم في جزيرة البحرين من قتل رجالهم و أخذ سفنهم قسرا و ما صنع بكبيرهم وأميرهم سلطان محراب و من معه من عجم و زعاب ، فبئس الرأي الذي رأيتم و الأمر الذي حاولتم و عليه عولتم ، فو الله لو كانت القلوب لها أبواب لوجدتم نيران العداوة و لظاها يخرج من خياشمهم).

علم بلعرب عن مجيء العجم و ملاقاة سيف المشؤوم لهم ، فخرج من نزوى في جيش كبير يزيد عددا و عدة كلما وصل إلى مدينة من عمان و هو في طريقه لمقابلة العدو ، فإلتقى بهم في السميني في الظاهرة ، و دارت حرب ضروس إنتصر فيها العجم ، فتوغلوا في عمان يتقدمهم حليفهم سيف ، و كانت المدن تقاوم و لكنهم سلكوا وسائل العنف فقد بلغ من قسوتهم أن ربطوا الأطفال في حبال و رموهم أحياء إلى قناطر المياه حيث يموتون صبرا ، و ذبحوا كثيرا من الأهالي و سبوا النساء حتى حملوهن سبايا إلى شيراز ، و يقدر بعض المؤرخين عدد من قتلوا من النساء و الأطفال في مدينة نزوى وحدها عشرة آلاف نفس.

حصل الآن تجمع شعبي من قبل الأهالي ، فلا ينكر أن العجم قوم دخلاء على الدار لا يعرفون طرقها و يصعب عليهم تموين أنفسهم بها ، فعمد العمانيون إلى الهجوم عليهم مدينة إثر مدينة كما حدث في بهلا بقيادة حمير بن منير ، و كما حدث في صحار اذ جاؤوا هاربين من مهاجمة العرب لهم مستجيرين بأحمد بن سعيد والي سيف بن سلطان في صحار ، فحجزهم هذا بالحصن و سجنهم ، فكان ذلك سبيلا لشهرته بين العمانيين ، و بعد هذه الهجمات إتخذ العجم رأس الخيمة مركزا لجيشهم و تركوا سيف بن سلطان يجالد نفسه.

و عندما وجد بلعرب بن حمير أن الخلاف بينه و سيف قد أدى إلى نتائج وخيمة إستقال من الإمامة مؤيدا ترك الحكم لسيف ، و قد أيد ذلك رؤساء القبائل و وجهاء البلاد ، أما علماء الدين الذين لهم السهم الأوفى في قضية الإمامة فلم يؤيدوا إعادة الإمامة لسيف و لكنهم نزلوا على حكم الأغلبية إتقاء للشر و صد العجم الذين تعهد سيف الآن بمقاومتهم و ندم على فعلته بإحضارهم ، و لا شك أنه لم يصل إلى هذا الرأي بدافع الغيرة ، و لكن العجم لم يقيموا له وزنا و سيطروا على الظاهرة و مسقط و مطرح و سائر المدن الخاضعة لسيف دون تقدير للرجل ، فإدرك بعد حين أن الخطر ليس موجها ضد بلعرب فحسب بل ضده شخصيا.

أما الموقف الآن فهو بيد سيف بن سلطان من جهة و بيد العجم من جهة أخرى و هم برأس الخيمة معسكرون و لصحار محاصرون و في مسقط و مطرح و بركاء متنفذون ، أي أنهم أجلوا من الداخل و بقوا في الساحل.




يتبع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الثالث ... دولة اليعاربة

15- الإمام سلطان بن مرشد
__________________
سأعيش رغم الداء و الأعداء *** كالنسر فوق القمة الشماء
أرنو إلى الشمس المضيئة هازئا *** بالسحب و الأمطار و الأنواء
لا أرمق الظل الكئيب ولا أرى *** ما في قرار الهوة السوداء


"أبو القاسم الشابي"
رد مع اقتباس
  #51  
قديم 14-06-09, 11:30 PM
باحث في التاريخ
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 2,507
افتراضي

تابع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الثالث ... دولة اليعاربة

15- الإمام سلطان بن مرشد


إنكشف قناع الخديعة الذي لبسه سيف بن سلطان ، فبعد أن تم له الأمر و دانت له عمان ظهر على حقيقته ، ففرض الضرائب على الأهالي ، و أخذ ينتقم من أعدائه و يهادن العجم ، فإجتمع بعض أعيان البلاد من مختلف مقاطعاتها ليدرسوا الحالة ، فقرروا خلع سيف و إنتخاب سلطان بن مرشد بن عدي اليعربي إماما ، فعقدوا له الإمامة بجامع مدينة نخل عام 1154 هـ ( 1741 م) و سلمت له سمائل و إزكي و نزوى و بهلا و منطقة الشرقية ، و قرر مهاجمة سيف في وكره ، فإتجه إلى الرستاق و لكن سيفا إنهزم و إستقبلت الرستاق الإمام بحفاوة ، و بذلك خذلت سيفا تلك المدينة التي أيدته منذ أن كان غلاما و كافحت في سبيل بقائه في الحكم.

و خرج سيف إلى بركا بعد أن جمع أنصاره في مسقط و مطرح و السيب و إتجه بالجميع إلى الحزم و لكنه لم يلبث حتى عاد إلى مسـقط فهاجمه الإمام هنالك ، فهرب عن طريق البحر يرافقه سـوء الحظ ، فقد هبت عواصف أغرقت مراكبه ، و لجأ هو إلى حلفائه العجم في خور فكان ، و عاد يكاتب ملكهم ، فأمده بجيش كبير قوامه عشرون ألف جندي زحفوا إلى صحار لإتخاذ مركز هجوم على الإمام ، كما هجموا على مسقط و تمكنوا من إحتلالها بعد معركة كبيرة بسيح الحرمل بينهم و بين قائد الإمام سيف بن مهنا اليعربي إستشهد فيها القائد. أما حصن صحار فقد ظل صامدا لا يستسلم رغم قسوتهم في إطلاق مدافعهم عليه ، و بلغ ما أطلق من قذائف في يوم واحد على الحصن ألف و مائتي قذيفة ، غير أن الإمام قام بهجوم معاكس على العجم في مركز قوتهم بصحار و إشتبك الفريقان في معركة ضارية إنهزم فيها العجم و جرح الإمام جرحا بليغا لم يمهله إلا أياما حتى قضى عليه فتوفى بحصن صحار ، أما سـيف فقد كان متحصـنا بمدينة الحزم في حصـنها الكبير الذي بناه جده ، فأصابه إسهال قضى عليه أيضا و أراح البلاد و الأهالي من طالعه السيئ.

يتبع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الثالث ... دولة اليعاربة

16- أحمد بن سعيد
__________________
سأعيش رغم الداء و الأعداء *** كالنسر فوق القمة الشماء
أرنو إلى الشمس المضيئة هازئا *** بالسحب و الأمطار و الأنواء
لا أرمق الظل الكئيب ولا أرى *** ما في قرار الهوة السوداء


"أبو القاسم الشابي"
رد مع اقتباس
  #52  
قديم 15-06-09, 02:02 AM
باحث في التاريخ
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 2,507
افتراضي

تابع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الثالث ... دولة اليعاربة

16- أحمد بن سعيد


ظهر الآن اسم أحمد بن سعيد والي الإمام على صحار كبطل قاوم العجم في حصن صحار و صمد لمدافعهم ، و كعامل إئتمنه الإمام على حصونه و نفسه فمات بين يديه ، و كعماني صمد للعدو و سار حسب خطة محكمة للإنتقام منه ، فقد دعا عشرة من كبار قواد جيش العجم إلى الحصن و أعلن لهم أنه لن يعترض طريقهم إذا ما شاؤوا العودة إلى إيران هم و ما يحملونه ، فطلب منه هؤلاء معاملة إخوانهم في مسقط و مطرح مثل ذلك فوعدهم خيرا ، و ركب هؤلاء سفنا قاصدين بندر عباس ، و إتجه أحمد بعد ذلك إلى بركا فولى عليها خلفان بن محمد البوسعيدي و أمره أن يهيئ كل إمكانية لإستقبال البضائع التي ترد إلى عمان و غيرها في بركا و شحنها إلى الظاهرة و الداخل و ذلك لينصرف الناس عن مسقط و يتضايق العجم.

علم العجم عن وفاة سيف فقرروا إيجاد سيفا آخر ، فكتبوا إلى الحزم مقر أنصار سيف أن يرسلوا إليهم من يرشحونه للقيام مقام سيف ، فأرسل هؤلاء ماجد بن سلطان الذي أرسله العجم إلى شيراز مع رسالة خاصة للشاه.

أطاع ماجد الأمر و قابل الشاه و لقي من التكريم ما يكفي لترويضه على الخيانة ، و عاد إلى عمان برسائل إلى قادة الشاه في مسقط بوجوب مناصرته ، و لكن مركبه البحري الذي عاد به قادته رياحه إلى مدينة صحار معقل أحمد بن سعيد ، و هنالك إعتقل ماجد و أخذت رسائله.


لجأ أحمد بن سعيد إلى مخادعة العجم ، فأرسل خميس بن سالم البوسعيدي إلى مركزهم في مسقط يحمل رسالة الشاه إليهم حول مساعدة ماجد و تأييده و كأنه رسول له ، و زوده بخمسمائة مقاتل ، فإعتبره الضباط الإيرانيون رجلهم و نصيرهم ، ففتحوا له القلاع و حالما سيطر الرجل على المواقع أعلن ولاءه لأحمد بن سعيد و حمل قادة الفرس و جنودهم إلى مدينة بركا.


يتبع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الثالث ... دولة اليعاربة

17- بركا تنتقم لعمان
__________________
سأعيش رغم الداء و الأعداء *** كالنسر فوق القمة الشماء
أرنو إلى الشمس المضيئة هازئا *** بالسحب و الأمطار و الأنواء
لا أرمق الظل الكئيب ولا أرى *** ما في قرار الهوة السوداء


"أبو القاسم الشابي"
رد مع اقتباس
  #53  
قديم 15-06-09, 02:10 AM
باحث في التاريخ
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 2,507
افتراضي


تابع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الثالث ... دولة اليعاربة

17- بركا تنتقم لعمان


بعث أحمد بن سعيد إلى عامله بمسقط ألفي رجل و طلب منه إرسال جيش الفرس إلى بركا و أخبرهم خميس بذلك و أكد لهم إنهم سيعودون إلى بلادهم ، و عندما وصلوا برفقته إلى بركا أمر أحمد بإكرامهم ، فامتلأت بركا بالذبائح و إنشغل بائعو الحلوى بصنع الحلوى للضيوف ، و إنشغل الفلاحون بإطعام خيل العجم حتى غضب الأهالي لذلك ، و أعلنوا جهارا أن جزاء هؤلاء المعتدين السيف لا الإكرام.

و لكن أحمد كان يضمر الإنتقام فدعا كبارهم و كان عددهم خمسين إلى حصن بركا بحجة تناول الغداء ، و هنالك أعمل فيهم السيف إنتقاما لعدوانهم على الوطن ، و أعلن في بركا جميعها بأن من له ثأر للعجم فليأخذه ، و بقدر ما إمتلأت بركا بالذبائح و الحلوى و العلف إمتلأت الآن برؤوس العجم المتدحرجة على ترابها ، و بعد ساعات نادى المنادي بوقف القتل و بالأمان للباقين ، و أمر بتسفيرهم في سفنهم إلى بندر عباس ، و كان عدد الباقين مائتين ، و ما أن بلغت تلك السفن جبل السوادي في مياه بركا حتى خرقها الربابنة و غرق الباقون من تلك المذبحة ، وعاد من رافقهم من العرب إلى بركا.

و قد يجد القراء في هذه الطريقة الإنتقامية وحشية أو مبالغة في الإنتقام ، إلا إننا نسأل القارئ الكريم عن السبب الذي دعا العجم إلى دخول عمان و عن وسيلتهم للدخول و عن أعمالهم الوحشية بحيث إستنكر الأهالي تكريمهم و هم مهزومون ، ثم عن مصير المدينة التي ناصرتهم و إستقبلتهم مطيعة لأمر سيف بن سلطان و هي مدينة مسقط ، فقد هرب أهاليها من بيوتهم و تركوها للعجم خوفا من بطشهم أو أنفة من إستقبالهم ، و لم يتورع العجم من بعد أن يهدموا هذه البيوت ، و ها هي مصادر التاريخ تقول: ( إصطحب خميس بن سالم معه بعد الإنتقام من العجم أهالي مسقط و مطرح ، و كانوا جميعا قد هربوا خوفا من العجم ، فلما وصل خميس و من معه لم يعرف أهالي مسقط حدود بيوت حلتها الخارجة من السور لخرابها بمرابط العجم فإقتتلوا فكان عدد قتلاهم ستين رجلا ، ثم قسم بينهم خميس تلك الأمكنة بالتحدي و بارى بينهم في الدماء ، فصارت مسقط و مطرح في عمار بعد الخرب ..."ابن رزيق")

و بالإضافة إلى هذا ، فقد مهد العجم أنفسهم لهذا الانتقام و ذلك بمحاصرتهم حصن صحار تسعة أشهر ، كانوا خلالها يطلقون ثلاثة آلاف طلقة من مدافعهم على الحصن الصامد ، فماذا يتوقع المرء من قوم صمدوا لهذه الشدة بعد خروجهم منها ؟ و كيف يشفي الموتور غليله و قد أصيب في نفسه و أهله و وطنه و إستقلاله و دولته ؟



يتبع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الثالث ... دولة اليعاربة

18- بلعرب بن حمير يعود
__________________
سأعيش رغم الداء و الأعداء *** كالنسر فوق القمة الشماء
أرنو إلى الشمس المضيئة هازئا *** بالسحب و الأمطار و الأنواء
لا أرمق الظل الكئيب ولا أرى *** ما في قرار الهوة السوداء


"أبو القاسم الشابي"
رد مع اقتباس
  #54  
قديم 15-06-09, 02:16 AM
باحث في التاريخ
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 2,507
افتراضي

تابع... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الثالث ... دولة اليعاربة

18- بلعرب بن حمير يعود



عاد العمانيون إلى مبايعة بلعرب بن حمير و ذلك في أواخر عهد سيف بن سلطان ، و بعد أن إفتضح أمره لدى الجميع. و قد قنع بلعرب بحكم بعض الأجزاء الداخلية و ترك العجم ، و لذلك خلعه أعيان البلاد في صورة عرائض قدموها إليه ، و هم حبيب بن سالم و سالم بن راشد البهلوي و راشد بن سعيد الجهضمي و محمد بن ناصر الحراصي و محمد بن عامر و محمد بن خلف و غانم بن عامر و سجاد بن سالم. و أصبح بعد هذا من السهل على أحمد بن سعيد أن يضمن الإمامة لنفسه ، فقابله بمدينة فرق على أبواب نزوى ، و قتل بلعرب هنالك ، و بهذا تمت لأحمد بن سعيد السيطرة على عمان جميعها و بويع بالإمامة.

يتبع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الثالث ... دولة اليعاربة

19- من هو أحمد بن سعيد ؟
__________________
سأعيش رغم الداء و الأعداء *** كالنسر فوق القمة الشماء
أرنو إلى الشمس المضيئة هازئا *** بالسحب و الأمطار و الأنواء
لا أرمق الظل الكئيب ولا أرى *** ما في قرار الهوة السوداء


"أبو القاسم الشابي"
رد مع اقتباس
  #55  
قديم 15-06-09, 02:22 AM
باحث في التاريخ
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 2,507
افتراضي

تابع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الثالث ... دولة اليعاربة

19- من هو أحمد بن سعيد ؟


من زاوية ثانية لمتتبع تاريخ عمان ، يظهر أحمد بن سعيد بلا مقدمات و لا ذكر متسلسل ، فبينما نراه واليا بصحار ، إذا به مسيطرا على الباطنة ثم على مسقط و مطرح ، و إذا به بعد ذلك أماما على عمان.

و يلقي المؤرخ إبن رزيق أضواء متناثرة على أحمد بن سعيد ، و هو حقيق بذلك ، إذ أنه ألف كتابه ليؤرخ خاصة لحكم البوسعيد بطلب من حفيده سالم بن سلطان بن أحمد و ليؤلف عن (نسب الإمام أحمد بن سعيد و ما جرى في سيرته الجلية). و قد نسبه إلى الأزد. و لكن إبن رزيق في نسب الإمام أحمد لا يطيل في تعداد شجرة نسبه رغم أنه ألف كتابه "الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين" لهذا الغرض ، فلا يذكر أكثر من أنه أحمد بن سعيد بن محمد السعيدي ، فهل يكون السعيدي غير البوسعيدي ؟ ثم أنه يذكر أن أساس بلوغه الحظوة لدى سيف بن سلطان هو إرشاد أحد جلسـائه إليه ، و كان سيف في قرية روي قرب مسقط في طريقه إلى الرستاق ، فإلتقى هنالك مصادفة بأحمد فنزل سيف من صهوة جواده و نزل أحمد من ناقته و تعارفا ، ثم أن سيفا طلب من أحمد أن يراجعه بمسقط بعد عودته من الرسـتاق فبقى معه ثم ولاه صحار ، و كان أحمد حسـن المعاملة طموح النفس ، فجلب القبائل المحيطة بصحار و هي حينذاك واسطة العقد و مركز مقاطعتي الباطنة و الظاهرة ، و قد كان موقف أحمد من العجم مشرفا ، فإنضم كما علم القارئ إلى الإمام سلطان بن مرشد في فترة مكارب و شدة و مات الإمام سلطان بين يديه ، ثم قام بالمهمة الكبرى فطهر الوطن من الأعداء ، و وحد البلاد ، فكان لهذه المواقف أثرها الكبير في أن تدين له عمان و أن ينتخب إماما.

و قد شكك البعض في نسب أحمد ، فقالوا أن أباه بلوشي هاجر إلى عمان ، و شكك الكثيرون في إمامته ، فقالوا أنه لم يبايع مبايعة شرعية ، فإننا و نحن نؤرخ لا نستطيع أن نتجاهل وجود قبيلة آل بوسعيد في عمان الداخلية و وجود أماكن خاصة بها قرب نزوى.

و لكني و أنا أكتب هذا للتاريخ لا يسعني أن أتجاهل فضل أحمد بن سعيد في القضاء على العجم ، و لا أستطيع أن أتهمه في ذلك بغرض شخصي و هو حب السيطرة ، فالأمر الذي لا يختلف فيه إثنان هو أن أحمد بن سعيد البوسعيدي قد أنقذ عمان من العجم ، و قادها إلى إسـتعادة سـيرها في التاريخ ، و ليس هنالك من أحق منه في تولي حكمها خاصة و قد سار فيها سيرة صالحة ، أما قضية النسـب فذلك أمر أتركه لمن سيكتبون حول هذا الموضوع و المصادر لديهم قريبة و مجال البحث أشمل ، و التفكير في ذلك أهم من جمع شتات ، و إن كنت أستبعد أن يخضع العمانيون لأجنبي يحكمهم ، و قد سبق أن قضوا أعواما يقاتلون فيها حول أحقية حاكم دون حاكم.

و آل بوسعيد لا يمكن أن يكونوا جميعا من سلالة أحمد ، فهم اليوم يعدون في عمان ما لا يقل عن عشرين ألف مواطن ، و هذا العدد لا يمكن أن يكون سلالة رجل واحد خلال مائتي و خمسين عاما رغم ما مر على عمان منذ بداية عهد أحمد بن سعيد إلى اليوم من حروب سيعرفها القارئ خلال صفحات هذا الكتاب.

و أصل هذه القبيلة من بني هديف (و يسمونهم المهادفة) و هم شيوخ آل بوسعيد المعترف بهم من القبائل ، و ما تزال هذه القبيلة معروفة بسمائل و سمد الشأن و أدم. و الدليل الذي أستند عليه في دحض هذه الشبهة عن نسب آل بوسعيد هو ما ورد في تاريخ إبن رزيق أنه عند قيام إمامة الإمام ناصر بن مرشد و بعد دخوله نزوى ، قامت عليه قبيلة آل أبي سعيد في العقر فقضى على ثورتهم و أجلاهم إلى خارج نزوى ، بقول إبن رزيق ما نصه: ( فلما طال مقامه فيها (في نزوى) ملته من ملتهم الحسد و عرض الدنيا و إجتمعت آراء بني أبي سعيد و هم يومئذ رؤساء أهل "العقر" أن يخرجوه منها في جمعه إذا خرج إلى المسجد الجامع لصلاة الجمعة ، فأخبره أحد من أهل الصلاح بما عزموا عليه من الفساد ، فلما تحقق عنده ذلك أمر بإجلائهم من البلاد و نهى عن قتلهم و البطش بهم ، فتفرقوا في البلدان فلجأ بعضهم إلى مانع بن سنان العميري و بعضهم إستمال إلى سيف بن محمد الهنائي).

و قد أشار الشيخ السالمي في كتابه تحفة الأعيان إلى هذا الخبر ، و لكنه ذكر أن القبيلة المتآمرة على الامام إسمها بنو أمبو سعيد ، و هي أيضا قبيلة موجودة في عمان ، ولكننا نعتبرها و آل بو سعيد قبيلة واحدة ، و لما أوردت من استنتاجات و دليل لا يسعني و أنا أكتب للتاريخ إلا أن أعتمد في نسبهم على رواية إبن رزيق كسند في الإستدلال. و أضيف الى ذلك مخاطبا من يستند في حجة على عدم وجود نسب مسلسل لأحمد بن سعيد لأقول له أن للرجل نسبا هو أكثر من إسم أبيه و هو أحمد بن سعيد بن أحمد بن محمد بن خلف بن سعيد البوسعيدي ، و هذا ما كتب على قبره بالرستاق الذي كان مقره خلف جامعها.

و إذا أردنا أن نلقي ضوء على عروبة أحمد بن سعيد فليكن من إنتسابه إلى الأزد و سيلة إلى تسلسله من القائد العربي العماني المهلب بن أبي صفرة و يلقب بأبي سعيد ، و لا يستبعد أن تكون هذه القبيلة قد إنتسبت إليه ، و في عمان أشباه كذلك فلدينا قبيلة بني بو علي و بني بو حسن.

و على كل حال فان الأمر الذي لا يقبل المناقشة أن أحمد بن سعيد بطل من أبطال كفاح العمانيين ضد الدخلاء ، فحسبه أن ينقذ البلاد من العجم و قد سيطروا على كثير من أراضيها ليحتل مكانته في تاريخ هذا القطر العربي.

يتبع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الثالث ... دولة اليعاربة

20- دول الاستعمار في عهد اليعاربة
__________________
سأعيش رغم الداء و الأعداء *** كالنسر فوق القمة الشماء
أرنو إلى الشمس المضيئة هازئا *** بالسحب و الأمطار و الأنواء
لا أرمق الظل الكئيب ولا أرى *** ما في قرار الهوة السوداء


"أبو القاسم الشابي"
رد مع اقتباس
  #56  
قديم 15-06-09, 02:34 AM
باحث في التاريخ
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 2,507
افتراضي

تابع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الثالث ... دولة اليعاربة

20- دول الاستعمار في عهد اليعاربة



أما و قد إنتهينا من عهد اليعاربة ، وجب علينا أن نعود لإستعراض تحركات الدول الإستعمارية في الخليج العربي كي يسهل علينا معرفة نتائج ذلك في عهد آل بوسعيد الذي نبدأ فيه بإبتداء حكم جدهم الأكبر الإمام أحمد بن سعيد.

تركنا التنافس حادا بين الانكليز و البرتغال ، و وقفنا على أسس الصداقة بين إيران و بريطانيا ، و إحتكار الإنكليز لمنتوجات إيران من الحرير. و وقفنا في العرض السابق للإنكليز الأول بعام 1620 م حين تحدى الإنكليز البرتغال في جاشك و دخلوا إليها بعد معركة مع البرتغال ، و كانت وقفتنا عند تقدمهم للإمام سلطان بن سيف الأول لإستئجار ميناء مسقط ، و وضع حامية تتكون من مائة رجل في القلعتين الجلالي و الميراني ، و رفض الإمام ذلك إذ أنه لا يريد إستبدال دخيل بدخيل.

و لا شك أن حملات إيران التي شهدناها في الصفحات السابقة كانت من نتائج الصداقة بين الإنكليز و الفرس ، و لكن موقف أحمد بن سعيد قلب الموقف و خيب آمال الإنكليز.

و قد دخل المعركة الآن عنصر ثالث هو الإستعمار الهولندي ، ففي عام 1645 م هاجموا جزيرة القسم و تمكنوا من إحتلالها ، الا أن العمانيين أجلوهم منها عند سيطرتهم على قيقعة فارس ، و أدرك الإنكليز خطورة هذه المنافسة ففي عام 1650 م وصلت إحدى عشرة سفينة هولندية إلى بندر عباس منتهزة فرصة إخراج البرتغال من مسقط ، فأنزلت مؤنا وافرة ، و لم يستطع الإنكليز أن يتحدوهم في التسهيلات التجارية ، و قد توسع الخلاف بين الفريقين حتى أعلن أوليفر كرومويل الحرب على الهولنديين عام 1652 م ، و في عام 1654 م كان الهولنديون مستولين على تجارة الهند و إيران ، و رغم الحرب التي وقعت بين الطرفين عام 1665 م إلا أن الإنكليز لم يستطيعوا معالجة فشلهم.

ظهرت الآن قوة إستعمارية جديدة هي فرنسا ، فقد أسست شركة الهند الغربية عام 1683 م ، و أدى ذلك إلى الصلح بين العدوين إنكلترا و هولندا و التحالف بينهما على مراعاة كل منهما مصلحة الآخر في الهند و الخليج و إيران و ذلك عام 1688 م ، و لكن فرنسا لم يكن لها نشاط في الخليج إلا عام 1797 م ، و هذا ما سأفصله في حينه.



*********




يتبع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الرابع ... دولة البوسعيد


1- الإمام أحمد بن سعيد
__________________
سأعيش رغم الداء و الأعداء *** كالنسر فوق القمة الشماء
أرنو إلى الشمس المضيئة هازئا *** بالسحب و الأمطار و الأنواء
لا أرمق الظل الكئيب ولا أرى *** ما في قرار الهوة السوداء


"أبو القاسم الشابي"
رد مع اقتباس
  #57  
قديم 15-06-09, 04:31 PM
راعي الحارة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 118
افتراضي

شكراً لك أيها النسر المحلق في فضاءات التاريخ ناشراً أريج الماضي خطته اقلام سديدة ؛ حقاً انها موسوعة تاريخية ودراسة مهمة وتوليفة متكاملة ؛ حيث ان الاستاذ المرحوم كان في فترة المخاض من رواد الفكر وضع بصمات وابداعات ايجابية في مجالات مختلفة ؛ ومن ابداعاته هذه الموسوعة .
تقبل تحياتي
رد مع اقتباس
  #58  
قديم 16-06-09, 06:02 PM
باحث في التاريخ
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 2,507
افتراضي

تابع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الرابع ... دولة البوسعيد


1- الإمام أحمد بن سعيد


لابد للإمام أحمد أن يمر بمشاكل تفرض عليه أن يحلها جميعا ليؤسس حكمه و يعود بالبلاد إلى ذلك الإستقرار الذي حمل أعباءه الإمام ناصر بن مرشد ، و قطف ثماره العمانيون جميعا بقيادة الإمام سلطان بن سيف ، فالقبائل الآن عادت إلى إستقلالها بالسلطة و رغبة رؤسائها في النفوذ ، و العدو يتربص فهو لا يمكن أن ينسى إجلاءه بالقوة و القسوة عن البلاد ، و أساطيل الإستعمار تتربص في جبن و حذر لتنشر الفوضى و الإضطراب ، و تجد بعد ذلك موضعا تثبت فيه أقدامها.

و قد بدأت الثورة في رأس الخيمة ، فإتجه جيش كبير منهم إلى صحار ، و لكن الإمام أحمد لقيهم في الطريق في مكان يسمى البثنة ، و إشتبك الفريقان في معركة كبيرة تمكن فيها من صد خصومه ، إلا أن رأس الخيمة بقيت منفصلة عن حكمه برئاسة الشيخ صقر بن إرحمة ، و كانت المشكلة الثانية تحالف قبائل اليعاقيب و بني غافر و النعيم و بني قتب و كلهم من قبائل الظاهرة على قتال أحمد ، و إستمالوا معهم بلعرب بن حمير اليعربي و بايعوه بالإمامة ، و إنقاد إليه النزارية (الغافرية) جميعا ، و رابط بجيشه في فرق قرب نزوى ، فكتب أحمد إلى واليه في سمد بالداخل أن يجمع الهنائية جميعا و يرابط بهم أيضا في فرق ، في حين إتجه هو بجيش كبير إلى سمائل فمنعه السيابيون –و هم غافرية– و تمكن من مواصلة سيره بعد معركة كبيرة ، و إشتبك مرة ثانية في سمائل بالمضمار مع النزارية ، فشق طريقه أيضا ، و في وادي بني رواحة وجد مناصرين له ، و إلتقى بواليه عبدالله. و تقابل الجيشان في فرق ، فدارت معركة كبيرة قتل فيها بلعرب و كثير من أكابر أتباعه.

كما ثار عليه اليعاربة بالحزم بقيادة زهران بن سيف ، و عانى الكثير من حربهم ، و طال حصاره لبلادهم ، و إنتهت المعركة بينهم بصلح أعطى أحمد فيه اليعاربة شيئا من الإمتياز مع خضوعهم له.

و وكل أحمد إلى صهره ناصر بن محمد الغافري (والي البحرين في عهد الامام سلطان بن سيف) بالحملة على قبائل الظاهرة المتحصنة بحصن الغبي ، فاستطاع الانتصار عليهم ، و ولى على الغبي محمد بن عمير البوسعيدي ، و كان لناصر في قلب الإمام المنزلة الكبرى ، و ذلك للمصاهرة و لعمله المثمر في تهدئة الظاهرة ، إلا أن الرجل طمح إلى الحكم فأمر قبائل الظاهرة ببناء حصون يلجأون إليها وقت الحرب ، و اتصل بعلي بن إرحمة في رأس الخيمة وجاء برجاله ، و عقد في مدبنة العينين مؤتمر بين قبائل الظاهرة و ناصر و إبن إرحمه ، و إتفقوا على مهاجمة حصن الغبي ، فلم يطق واليه محاربتهم و خرج إلى الرستاق حيث أخبر الإمام ، فأرسل ولده هلال بجيش كبير ضم أفرادا من قبائل عديدة ، و لأول مرة يرد إسم البلوش و الزدجال في تاريخ عمان ، فقد إستأجر أحمد كثيرا منهم و أرسلهم كجنود في هذا الجيش ، و كان في هذا الجيش أيضا محمد بن حمير اليعربي ، ثم لحق بهم الإمام بنفسه و اشتبكوا مع القوم في معركة كبيرة إنهزم فيها جيش الإمام بسبب الحر الشديد ، و لكن ناصرا عاد إليه رشده فإتفق مع صهره على أن يبقى نائبا عنه في الظاهرة و تعهد بالوفاء ، في حين كان الإمام يهيئ حملة أخرى. و بقى ناصرا بارا بوعده و بقى كذلك حتى مات ، و سلك من بعده ولده سيف بن ناصر.

وطمع ولدا الإمام سيف و سلطان في الحكم بتشجيع من الشيخ جبر بن محمد الجبري ، فدخلا مسقط و تظاهر سيف بالمرض فزاره والي أبيه في مسقط ، فأمر بتقييده و إتجه سيف على إثر ذلك إلى الحصن الشرقي (الجلالي) في حين صعد أخوه إلى الحصن الغربي (الميراني) ، و أعلنا إستيلاءهما على الحكم ، فقدم الأب الى مسقط و هم بمحاربة ولديه ، إلا أن المقربين لديه توسطوا و طلبوا إبقاء سلطان بالحصن على أن يكون سيف دائما مع أبيه ، و لكن ذلك لم يمنع إستمرارهما في مخالفة أبيهما مدة سنتين ، و قد أوصلا الخلاف ذروته عندما قبضا على أخيهما الأكبر سعيد و سجناه في مسقط فأقبل الإمام الأب بجيش و صمم على محاربتهما ، و بدأ القصف على الحصن الشرقي من البر و البحر فصبر الأخوان بشجاعة ، و قد تمكن أحد الجند المسمى ابن منح من إنقاذ سعيد ، إذ هرب به من سجنه بالحصن الشرقي و جاء به إلى أبيه.

أما محمد بن جبر فقد ذهب إلى رأس الخيمة حيث يرابط صقر بن إرحمة و يظهر إستعداده دائما للوثوب على أحمد ، فجاء بجيش بلغ ثلاثين ألفا إخترق به الظاهرة ، و كاد أن يدخل الرستاق عاصمة الإمام ، و عند ذلك وجد الأخوان أن الأمر أكبر من ولاية العهد ، و أن الحكم سيزول عن الجميع ، فأرسلا إلى أبيهما يطلبان العفو و واجهاه في الجريزة بمسقط ، و لم يكد إرحمة يعلم بذلك حتى عاد الأدراج ، و إنشغل الإمام بإعادة الإمور إلى نصابها في الظاهرة ، و قد أبقى أحمد ولديه في مدينة بركا.

و في عام 1170 هـ هجم الفرس على البصرة و إنتزعوها من العثمانيين و أنزلوا بها جنودهم ، فلم يجد أهلها العرب ملجأ إلا الإستعانة بأبناء أعمامهم في عمان ، فكتبوا إلى الإمام أحمد يطلبون النجدة و إنقاذهم من الفرس ، فهب أحمد لنجدتهم و خرجت سفنه الحربية و جندا بلغوا عشرة آلاف بقيادة ولده هلال إلى مياه الخليج العربي ملبيا دعوة الأهل و الأخوة.

علم الفرس بذلك فقاموا بمد طوق حديدي في شط العرب ، و ذلك لئلا تدخل السفن العمانية ، فما كان من القائد إلا أن يستخدم صفيحة حادة من الحديد على مقدمة السفينة "الرحماني" و جعلها تتقدم الإسطول بعد أن إطمأن إلى قوة الهواء ، فشقت "الرحماني" طوق الحديد و نفذت السفينة إلى الأبله و منها إلى ميناء البصرة ، فأنزلت الجنود و إشتبكت مع الفرس في معركة كبيرة عاد بعدها العجم إلى بلادهم و تركوا البصرة و أهلها.

أقبل العثمانيون بعد ذلك إلى البصرة و طلبوا من هلال الإنسحاب فرفض إلا بأمر أبيه ، و بقى أياما بين ترحيب أهل البصرة و حفاوتهم حتى رأى أبوه أن مهمته إنتهت ، فأجاب العثمانيين على طلبهم و كتب إلى هلال بالعودة بعد أن إتفق مع العثمانيين على تسليم أتاوة سنوية لعرب عمان ، و بقى الوالي العثماني بالبصرة يدفع الأتاوة إلى عهد سلطان بن أحمد بن سعيد.

و توفى الإمام أحمد في الخامس من شهر ذي القعدة سنة 1188 هـ الموافق 15 ديسمبر 1783 م تاركا من الأبناء هلال و سعيد و قيس و سيف و سلطان و طالب و محمد. و إتخذ الرستاق عاصمة له ، و كان يزور مسقط بين حين و حين فإذا ما زارها ألغى الرسـوم على البضائع الموجودة بالجمارك ، وكان يجلس للناس في الجريزة ، و هي الجامع الذي هدمه البوكرك ثم الكنيسة التي بناها البرتغال فيما بعد ، وما يزال مكانها باقيا الى اليوم أرضا يبابا (تم إعادة بناء و ترميم بيت الجريزة في عهد السلطان قابوس بن سعيد).

كانت العملة المستخدمة في عهده "المحمدية" و هي نفس عملة اليعاربة و هي فضة و "المشخص" و هو الذهب. و كان رئيس عسكره في مسقط خميس بن سالم البوسعيدي ، و ناظر السفن حسن الصرهنج و قاضيه محمد بن عامر بن عريق العدواني و المحاسب في الجمارك رزيق بن بخيت بن سعيد بن غسان كافأه على ذلك لأنه نبهه على مكيدة سيف بن سلطان اليعربي له ، و واليه في مسقط خلفان بن محمد الوكيل البوسعيدي باني مسجد الوكيل المعروف بمسقط ، و أشهر رجاله غير من ذكرت في سياق الحوادث راشد بن سعيد العبسي و هو شاعره و عبدالله بن صالح الرواحي. و قد جلب الإمام أحمد بن سعيد العبيد و جعلهم حرسا له و بعض الجند من السند و هم بلوش و زدجال.

و كان إذا جاء مطرح إستقبل أولا بني حسن ثم الحيدرأبادية و هم مجموعة التجار من أصل سندي و هذا يدل على عراقتهم في التجارة بمسقط و مطرح ثم بني زراف. و إذا دخل مسقط فضل دخولها عن طريق البحر تحف به السفن بمختلف أحجامها ، و قدر معدل مدخول جمرك مسقط بمليون روبية.

كان ولده سعيد واليا على نزوى ، و قد أحدث فيها ما أسخط أهلها عليه ، إذ حصر صبغ الأثواب برجل واحد تعهد أن يدفع إيجارا سنويا مقابل ذلك و حرم غيره من الناس ، فلم يرض أهلها على ذلك لإعتماد كثير منهم في الناحية المعيشية على هذه المهنة ، و عندما تضايق سعيد من أهل نزوى خاصة بعد أن أنذر أبيه سعيد الصايغي المستأجر بهدم مركزه ، ذهب إلى أبيه يشكوهم إليه ، فأدرك أبوه أنه أحدث أمرا ما لبث أن تأكد منه ، فأمر بأن لا يعود إلى نزوى و عين شخصا آخر محله و ذلك دليل على بعد نظر الإمام أحمد في معاملة أهل نزوى عاصمة الإمامة السابقة.


يتبع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الرابع ... دولة البوسعيد

2- القرصنة
__________________
سأعيش رغم الداء و الأعداء *** كالنسر فوق القمة الشماء
أرنو إلى الشمس المضيئة هازئا *** بالسحب و الأمطار و الأنواء
لا أرمق الظل الكئيب ولا أرى *** ما في قرار الهوة السوداء


"أبو القاسم الشابي"
رد مع اقتباس
  #59  
قديم 16-06-09, 09:24 PM
باحث في التاريخ
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 2,507
افتراضي

تابع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الرابع ... دولة البوسعيد

2- القرصنة



لابد لنا و نحن ننتهي من عهد الإمام أحمد من أن نتعرض إلى القرصنة في الخليج ، و نمسك بأول ظهورها ، فنستطيع أن نساير الأحداث من بعد ، و لندفع التهمة التي ألصقتها الكتب الأوروبية بالخليج إذ سمت جزء منه ساحل القرصان و ملأت صفحاتها بأنباء القرصان في الخليج ، في حين لم يكن البحارة العرب إلا مدافعين عن أموالهم و أنفسهم و بلادهم.

و قد إخترت عهد الامام أحمد لأبدأ منه عرض القرصنة لسبب الحصار العنيف الذي فرضه القرصان في البحار العربية في عهده ، و هذا ما سنصل إليه في ختام العرض.

أول ما عرف القرصان في البحار العربية عام 1686 م ، إذ نهبت سفينة كانت قادمة إلى إحدى الموانئ في البحر الأحمر ، و بلغت قيمة المسلوب منها ما يعادل ستمائة ألف روبية ، و في عام 1691 م ظهر القرصان الإنكليزي كابتين جيمس في البحر العربي و قبض عليه فسجن في دلهي بالهند.

و في عام 1695 م كان هنري آفوري يخيف الطرق بين مسقط و عدن ، و قد نهب سفينة كانت متجهة إلى جدة تقل عددا من الحجاج. و كان آفوري يقيم في جزيرة بريم قرب باب المندب ، و في عام 1696 م أغتصبت سفينة خارجة من الهند و متجهة إلى عمان ، و كانت تحمل مائة وعشرة مدافع صنع معظمها لليعاربة في سيرت ، و كانت تحمل حجاجا و أتاوة ملك المغول لشريف مكة ، و تقدر قيمة ما نهب القرصان منها ربع مليون جنيه إسترليني ، و نهب من السفينة أيضا سيدة قادها إلى مخبئه الجديد في سانت ماري قرب مدغشقر ، جاء منها بولد سما ملا توتوم ، و كانت السيدة حفيدة أورنجريب ، و نهب رجاله حوالي مائة فتاة ، و يظهر من ذلك قوة هذا القرصان و أنه لم يكن في سفينة واحدة بل كان يستعين بقطع عديدة.

و صدى هذه الحادثة كبيرا في الهند و في عمان و بين العرب في الجنوب و الحجاز ، و قبض على رئيس مركز لشركة الهند الشرقية و كل موظفيها الانكليز ، و أوقفت التجارة شهورا عديدة ، و بعد هذه الغنيمة الكبرى عاد آفوري إلى إنكلترا و قبض على خمسة من رجاله فنفذ فيهم حكم الإعدام لتعريضهم مصالح دولتهم للخطر.

و من أشهر القرصان في المحيط الهندي و الخليج العربي و البحر الأحمر وليم كيد كان ، و عندما وجدت شركة الهند الشرقية الأضرار التي سببها هؤلاء القرصان و أن أعمالهم تعود بالويل لمصالح الشركة ، فقد أرسلت حملات للقبض عليه عام 1669 م.



يتبع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الرابع ... دولة البوسعيد

3- الإمام أحمد و الأوروبيين
__________________
سأعيش رغم الداء و الأعداء *** كالنسر فوق القمة الشماء
أرنو إلى الشمس المضيئة هازئا *** بالسحب و الأمطار و الأنواء
لا أرمق الظل الكئيب ولا أرى *** ما في قرار الهوة السوداء


"أبو القاسم الشابي"
رد مع اقتباس
  #60  
قديم 17-06-09, 05:30 AM
باحث في التاريخ
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 2,507
افتراضي

تابع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الرابع ... دولة البوسعيد

3- الإمام أحمد و الأوروبيين


حالما إستقرت الأمور للإمام أحمد كان الإنكليز أيضا بالمرصاد ، فأرسلوا إليه يطلبون إنشاء مركز لتجارتهم بمسقط ، و لكنه رفض و كان ذلك عام 1749 م.

و في هذا العام أيضا تبودل إطلاق النار بين الإسطول الفرنسي و الإسطول العربي في مسقط ، إذ جاء الفرنسيون للإقتراب من المرفأ دون سابق علم ، فأمر الوالي بإطلاق النار عليهم و هربت السفن الفرنسية ، و في عام 1761 م جاءت حملة فرنسية أخرى إلى مسقط بقيادة دي إيستنج فهاجمت سفينة إنكليزية كانت راسية بالمرفأ ، و لكن الأسطول العربي لم يسمح للفرنسيين بالرسو و تبودلت النار بين الأسطولين.

و قد زار مسقط عام 1764 م الرحالة الانكليزي المعروف كارستن نبيهر ، و لكنه خرج من مسقط كأول أوروبي ينشر خارطة لعمان.

و حصل نزاع بين الإمام و بين فرنسا عام 1781 م ، إذ قامت السفن الفرنسية بمصادرة البارجة "صالح" و كانت قيمة حمولتها تقدر بمليون و مائتي ألف روبية ، و لكن الإمام أحمد أمر بمصادرة كل سفينة فرنسية تدخل الشواطئ العمانية ، و أنذر فرنسا بوجوب إعادة "صالح" ، و تعويضه عن الخسائر ، فأعلنت فرنسا أسفها على الحادث ، و أعادت السفينة و دفعت التعويض.

يتبع ... "تاريخ عمان السياسي"
تأليف ... عبدالله بن محمد الطائي
الفصل الرابع ... دولة البوسعيد

4- الإمام أحمد و رأس الخيمة
__________________
سأعيش رغم الداء و الأعداء *** كالنسر فوق القمة الشماء
أرنو إلى الشمس المضيئة هازئا *** بالسحب و الأمطار و الأنواء
لا أرمق الظل الكئيب ولا أرى *** ما في قرار الهوة السوداء


"أبو القاسم الشابي"
رد مع اقتباس
رد

مواقع النشر

أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود BB متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع إلى

LinkBacks (?)
LinkBack to this Thread: http://alharah.net/alharah/t9233.html
أرسلت بواسطة For Type التاريخ
كلمة السلطان سعيد بن تيمور عن تاريخ الوضع المالي في السلطنة - الصفحة 3 - سبلة عمان This thread Refback 01-08-09 02:26 PM
أول بيان لجلالة السلطان قابوس بعد توليه الحكم في سلطنة عمان ونشرته وكالة رويتر - سبلة عمان This thread Refback 28-06-09 06:04 AM


جميع الأوقات بتوقيت GMT +4. الساعة الآن 03:51 AM.


Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd

Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.3.1

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61